بنتي وكتاب الله.. لماذا يصعب عليها الحفظ؟!

Consultation Image

الإستشارة
  • المستشار : د. أميمة السيد
  • القسم : الأطفال
  • التقييم :
  • عدد المشاهدات : eye 182
  • رقم الاستشارة : 3319
17/11/2025

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته يا دكتورة،

أنا أب لابنة تبلغ من العمر تسع سنوات، وهي – بفضل الله – ذكية ومتفوقة دراسيًا، ولا تعاني أيَّ صعوبات في التعلّم. غير أنّ لدينا مشكلة تؤلمني كثيرًا… فأنا شيخ ومحفّظ للقرآن الكريم، وكنت أتمنى أن تكون ابنتي أقرب الناس إلى كتاب الله.

إلّا أنّها تجد صعوبة شديدة في الحفظ؛ فهي لا تحفظ بسهولة، وإن حفظت اليوم نسيت في اليوم التالي، كما أنّ تجويدها ضعيف مهما كرّرتُ معها. وهذا الأمر أثّر في نفسي كثيرًا، خاصة حين أرى أطفالًا أصغر منها سنًا يحفظون أجزاءً أكبر ويتقنون التلاوة بصورة أفضل. ومن شدّة حرصي أخشى أن أكون أنا السبب، أو أنني قصّرتُ في أمرٍ ما.

ابنتي نفسها طيبة الخلق ومهذّبة، ولكن ما إن نبدأ جلسة الحفظ حتى تبدو عليها علامات الضيق، ولا تستمتع أبدًا، وكأنّ الحفظ عبء ثقيل على قلبها. وأنا في حيرة… أخشى إن شدّدتُ عليها أن تنفِر من القرآن، وإن تركتُها أن تبتعد أكثر.

لذا أرجو من حضرتك التوجيه والنصح، فقد أصبحت في حيرة مؤلمة، وأشعر بجرح داخلي، وأخاف أن أظلمها أو أُقصّر في حقّ كتاب الله.

الإجابة 17/11/2025

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته،

 

أحييك أيها الأب الكريم على غيرتك على ابنتك، وحرصك على أن تكون قريبة من كتاب الله، وهذا شعور نبيل يدل على قلب حيّ وإيمان صادق.

 

الذكاء والقدرة على الحفظ

 

ولكن أود أن أطمئنك أولاً: أن لا علاقة بين ذكاء الطفل وقدرته على الحفظ السريع؛ فأنماط التعلم تختلف، واستجابات الأطفال للجهد الذهني ليست واحدة، ولا يقاس فضل الإنسان عند الله بحجم المحفوظ، بل بصدق قلبه وإخلاص عمله.

 

لا للمقارنة

 

أول ما أوصيك به هو التخفيف من المقارنة بينها وبين الأطفال الآخرين، فكل طفل خُلِق بإيقاع نمو خاص، ومن الخطأ أن نُلزم زهرة بأن تتفتح في اللحظة نفسها التي تتفتح فيها زهرة أخرى.

 

إن المقارنة قد تُنشئ داخلها شعورًا بالدونية أو العجز؛ ما يجعل عقلها المقاوم يربط القرآن بالضغط النفسي لا بالطمأنينة.

 

ثم اسمح لي أن أذكّرك بأن صلة الوالد بمهنته لا تعني بالضرورة أن يُشبِه الأبناء الوالد في ملكاته. قد يكون الأب خطيبًا ولا يكون ابنه بليغًا، وقد يكون الأب حافظًا ولا يكون ابنه سريع الحفظ. هذا لا ينقص من فضل القرآن الكريم، ولا من قيمتك كأب وكمحفّظ، ولا من قيمة ابنتك عند الله.

 

أساليب التعلم

 

إن ابنتك لا تعاني من صعوبات تعلم – كما ذكرت – لكنها تعاني من أسلوب غير مناسب لطريقتها في التلقي.. فبعض الأطفال يتعلمون سمعيًّا، وبعضهم بصريًّا، وبعضهم حركيًّا، وبعضهم يحتاج إلى ربط المعلومات بالعاطفة والسيناريوهات. وربما تكون ابنتك من النوع الذي يحتاج إلى الإيقاع البطيء – Slow Learning Pace في الحفظ، وهذا نمط طبيعي لا يُعدّ عيبًا.

 

نصائح عملية

 

ولهذا أنصحك بما يأتي:

 

1- خفّف الضغط فورًا، واجعل جلسات الحفظ قصيرة لا تتجاوز ٧–١٠ دقائق، يليها استراحة.

 

2- استبدل بأسلوب التلقين أسلوب الترديد المشترك، ثم السماع المتكرر؛ لأن السماع يسهّل الحفظ على الأطفال الذين لا يملكون ذاكرة لفظية قوية.

 

3- اجعل التجويد جزءًا من الرحلة لا شرطًا للبداية؛ المهم أن تُحب القرآن الكريم، ثم يأتي الإتقان شيئًا فشيئًا.

 

4- اربط الحفظ بالبهجة: قصة قصيرة حول الآية، مشهد من السيرة، معنى جميل، تطبيق عملي.. فالقلوب تُفتح حين ترتبط المعاني بالدفء.

 

5- امتدح محاولتها، ولو كانت صغيرة؛ فالدافعية الداخلية Intrinsic Motivation هي المفتاح الحقيقي للاستمرار.

 

6- اجعل هدفك الأساسي هو أن تحب ابنتك القرآن الكريم لا أن تحفظه قسرًا؛ فالقلوب حين تحبّ تحفظ تلقائيًّا.

 

وأخيرًا، تذكّر أن النبي ﷺ قال: «الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة، والذي يقرأ القرآن ويتعتّع فيه وهو عليه شاقّ له أجران».. فكيف بابنة صغيرة تتعتع وتكدّ وتجتهد؟! إنها على خير عظيم إن شاء الله تعالى، فلا تحزن. وليكن شعارك معها: نزرع الحبّ أولاً، ثم يأتي الحفظ حين يشاء الله.

 

* همسة أخيرة:

 

ثق -يا أخي الكريم- أنه ما دام في قلب ابنتك نور، فسيكتب الله لها من القرآن الكريم نصيبًا يليق بروحها، لا بقدرة غيرها.

 

روابط ذات صلة:

طفلي يرفض حفظ القرآن الكريم.. ماذا أفعل؟!!

الرابط المختصر :