الإستشارة - المستشار : د. أميمة السيد
- القسم : الشباب
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
16 - رقم الاستشارة : 6093
11/10/2026
أخي سافر للدراسة والعمل منذ كان عمره 18 عامًا، وعاد مؤخرًا ليستقر معنا. كنا متحمسين جدًّا لعودته، لكننا اكتشفنا أنه تغير كثيرًا. يحب أن يجلس وحده، ولا يحب أن نسأله عن تفاصيل حياته، ويرفض بعض العادات التي اعتدنا عليها في البيت.
أمي تقول: "ده ابني ولازم يرجع زي زمان"، وهو يقول إننا لا نفهم أنه أصبح شخصًا مختلفا. بدأت الخلافات تزيد، وأنا أريد أن أساعد الطرفين.. كيف أتعامل؟
هذه
الحالة تحتاج أولاً إلى إزالة فكرة أساسية من أذهان الأسرة: العودة الجسدية لا
تعني العودة النفسية إلى النقطة القديمة.
أخوك
غادر البيت في عمر 18 عامًا، وهي مرحلة كان فيها ينتقل من الاعتماد إلى بناء
الاستقلال. ثم عاش سنوات في بيئة أخرى، واتخذ قرارات بنفسه، وتحمل مسؤولياته،
وربما مر بتجارب لم تعيشوها معه. لذلك من الطبيعي أن يعود وهو يحمل هوية أكثر
استقلالاً.
ما
يحدث يسمى أحيانًا بضغط إعادة الاندماج؛ أي أن العودة إلى البيئة القديمة قد تكون
مربكة للشخص نفسه، وللعائلة أيضًا.
فهو
يتذكر البيت بطريقة معينة، بينما الأسرة تتوقع أن يعود إلى الدور القديم: الابن
الذي يشرح كل شيء، يلتزم بكل العادات، ويستجيب لتدخلات الأسرة. هنا تبدأ الاحتكاكات.
الحل
ليس أن تقول الأسرة: "هو تغير، إذن أصبح عاقًّا"، ولا أن يقول هو:
"أنا كبرت، إذن لا يحق لأحد أن يسألني عن شيء."
نحتاج
إلى إعادة التفاوض حول الأدوار الأسرية. أي أن الأسرة تعيد تعريف العلاقة بما يناسب عمره
الحالي.
يمكن
للأم مثلاً أن تقول له: "أنا سعيدة أنك رجعت، وأعرف أنك أصبحت شخصًا مستقلاً.
نريد فقط أن نتفق على الأمور التي تخص البيت"، وهذه الجملة تعطيه شيئين: الاعتراف
باستقلاله، والوضوح في مسؤولياته.
أما
سؤاله عن تفاصيل حياته الخاصة، فمن حق الأسرة أن تطمئن عليه، لكن ليس من الضروري
أن تتحول كل جلسة إلى تحقيق.
يمكن
أن يقولوا: "إذا كان هناك شيء تحب أن تحكيه، نحن موجودون"،
وهذا يحترم استقلاليته.
وفي
المقابل، على أخيك أن يفهم أن الاستقلال لا يعني أن يعيش مع الأسرة بعقلية
"أنا أفعل ما أشاء دون اعتبار لأحد". فيمكنك أن تفهميه بهدوء أن البيت
المشترك يحتاج إلى الاحترام المتبادل.
فإذا
كان لديه أسلوب حياة مختلف، يناقش ما يمكن تغييره وما يجب مراعاته داخل المنزل. وهنا أنت كأخت تستطيعين أن تكوني جسرًا، لكن لا تكوني وسيطة في كل خلاف. لا تنقلي كلام الأم إليه في كل مرة، ولا تنقلي كلامه إليها. شجعي كل
طرف على الحديث المباشر.
ومن
المهم أيضًا أن تتوقع الأسرة أن عودة شخص بعد سنوات قد تحتاج إلى وقت. فلا تحكموا على نجاح العودة من أول شهر.
قد
يكون أخوك نفسه في حاجة إلى استعادة شعوره بالمكان. لذلك شاركوه في بعض القرارات
المتعلقة بالبيت، دون أن تعطوه مسؤولية كل شيء.
لقد
قال تعالى: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ
وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا}. الإحسان إلى الوالدين ثابت، لكن الإحسان لا يعني
إلغاء شخصية الابن البالغ.
وفي
المقابل، احترام استقلال الابن لا يعني سقوط بر الوالدين.. وهذه قواعد معاملاتية
بين أفراد الأسرة الواحدة لا بد من استيعابها. فالأسرة الناضجة تعرف أن شكل العلاقة يتغير عبر
العمر، بينما يبقى أصل المحبة والرحمة.
قال
تعالى: {وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً}، والمودة الأسرية ليست أن نظل
جميعًا كما كنا، وإنما أن نتعلم كيف نحب بعضنا في مراحلنا المختلفة والمتغيرة لأي
أسباب.
وإذا
-لا قدر الله -ظهرت خلافات عميقة جدًّا أو غضب متكرر، يمكن أن تستفيد الأسرة من
جلسة إرشاد أسري تساعدها على إعادة تنظيم الحدود والأدوار.
همسة
أخيرة:
أحيانًا
لا يحتاج الابن العائد إلى أن يجد البيت كما تركه، بل يحتاج أن يجد فيه مساحة تسمح
له أن يعود إنسانًا جديدًا، دون أن يفقد مكانه القديم في قلوب أهله.
روابط
ذات صلة:
هل تؤثر الغربة في بناء الهوية؟