الإستشارة - المستشار : أ. فاطمة عبد الرءوف
- القسم : الطلاق وتبعاته
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
374 - رقم الاستشارة : 2544
31/08/2025
كيف أتعامل مع البطالة والوحدة بعد الطلاق؟ فقدت عملي منذ عام وأحاول الحصول على أي عمل لأعيش، لدي ابن وحيد يدرس في الخارج ويتولى طليقي نفقات دراسته ومصروفه.
أعيش وحدي وقد وصلت إلى مرحلة يائسة أحاول فيها تدبير مصاريفي، لكن الوضع ميؤوس منه، أذهب إلى بيت العائلة لقضاء بعض الوقت وتوفير بعض النقود، لكنني أحس بنظرات قاتلة من أمي وأشعر بأن وجودي ثقيل عليها، أراها تتفنن في الترحيب بأشقائي وزوجاتهم وشقيقاتي، بينما أنا الوحيدة التي بقيت بلا زواج.
ناضلت لتربية ابني الوحيد، والآن أجد نفسي بلا عمل أو سند، بدأ وزني بالنقصان وصحتي تضعف، وقد نالت الوحدة والظروف الاقتصادية من جسدي فعلاً، لا أجد مبررًا أو سببًا لهذه الحياة كافحت بشدة لكنني لم أكن أعلم أنني سأنتهي هكذا ولربما هذه هي النهاية
أختي الكريمة، أهلاً وسهلاً ومرحبًا بك في موقعك البوابة الإلكترونية للاستشارات.. تعلمين عزيزتي هذه الحياة إحدى فلسفاتها الكبرى تدور حول الابتلاء.. لا توجد حياة لإنسان فوق هذه الأرض مؤمنًا كان أو غير ذلك وإلا دارت في فصل من فصولها حول محور الابتلاء، وإن أردت تشبيهًا أكثر دقة فلنقل إن الحياة مواسم تشبه فصول السنة، والابتلاء فصل من هذه الفصول.. ألم تشهدي من قبل شتاء قاسيًا ينخر برده في العظام وتتوقف فيه مظاهر الحياة ثم لا يلبث أن يتبعه ربيع مزهر تسير فيه الحياة في مواكب الخضرة والزهور وتشرق فيه الشمس وتداعبك النسمات الجميلة.
غاليتي، في قمة معاناتك في الشتاء ألا توقنين أنها مسألة وقت ويأتي الربيع ببهائه مرة أخرى.. أنت الآن تعانين من بعض برودة الشتاء وتهب عليك بعض رياحه، لكن هذا لن يستمر، تيقني من ذلك...
ابنك الذي يدرس في الخارج لن يلبث أن يعود بمشيئة الرحمن وقد حصل على شهادة راقية، وكل ما بذلته وكافحت فيه من أجله سيتبلور في شكل حياتكم القادمة، وحتى يحدث هذا فلا بد من حلول تلون حياتك وتمنحها الدفء، فليس من العقل أن نترك أنفسنا في العراء تحت سيل الأمطار وفي مواجهة الأعاصير ونحن في قلب الشتاء.. لا بد لك عزيزتي من جدران دافئة وأغطية وملابس ثقيلة ومدفأة، وهذا بالضبط ما أدعوك إليه.. أن نتكيف مع الواقع بكل مرارته وإحباطاته.
لماذا الابتلاء؟
أختي الكريمة، كما قلت لك الابتلاء هو جزء طبيعي من الحياة حتى ندرك أننا في الحياة الدنيا، فيتضرع الإنسان إلى الله وحتى لا يطغى عندما يشعر أن لديه كل شيء.. الإنسان عندما يطغى لا يذكر خالقه ولا يشعر بحاجته إليه ومن ثم يسير في طريق الهلاك بأقصى سرعة ممكنة حتى يصطدم في النهاية بالحقيقة الكبرى ويدرك أن حياته التي ظنها كاملة كانت الخدعة الكبرى التي عاش فيها ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَىٰ أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُم بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ * فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُم بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَٰكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّىٰ إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ﴾.
الحقيقة أن هناك كثيرًا من الحكم من وراء الابتلاء؛ فالمؤمن ينال الثواب حتى لو شكته شوكة، ففي الحديث المتفق عليه (مَا يُصِيبُ الْمُسْلِمَ مِنْ نَصَبٍ وَلاَ وَصَبٍ وَلاَ هَمٍّ وَلاَ حَزَن وَلاَ أَذًى وَلاَ غمٍّ، حتَّى الشَّوْكَةُ يُشَاكُها إِلاَّ كفَّر اللَّه بهَا مِنْ خطَايَاه)، فأنت أختي العزيزة يمكنك احتساب حتى ما تشعرين به من ألم نفسي ومن شعور بالوحدة تكفيرًا لخطاياك ورفعًا لمنزلتك.
الابتلاء قد يكون نقطة انطلاق لمرحلة أخرى من الحياة فقط لو تعاملنا معه بصبر وذكاء وهذا ما أدعوك إليه، فبدلاً من أن تتلبسك مشاعر الإحباط والحزن والأسى وترددي على مسامعك أنك تعيشين النهاية أريدك أن تعيشي مشاعر التحدي والسعي وراء الفرصة الثانية، وسأشرح كيف يمكنك ذلك في السطور القادمة.
الفرصة الثانية
تبدأ الفرصة الثانية بطريقتك في التعاطي مع الأفكار والمصاحبة لها، فنحن نتحول لما نفكر فيه أو على وجه الدقة نتحول لشكل الأفكار التي نحلل بها مشاعرنا، فإذا كنا نشعر أن مشاعر الوحدة وما نعانيه من صعوبات مادية هو النهاية فسنفقد شهيتنا للطعام ونعاني الهزال وتتراجع أحوالنا الصحية فيزداد إحساسنا أنها النهاية، ومن ثم تزداد وطأة مشاعر الإحباط المؤلمة وتزداد مشاعر العجز واللاجدوى.
بينما لو نظرنا للأمور من زاوية أخرى مختلفة، فابني سيعود يومًا، هو سافر سعيًا وراء مستقبله، وأنا أيضًا عليّ أن أسعى وراء مستقبلي، فطالما أن الله سبحانه وتعالى منحني عمرًا فهو فرصة عليّ أن أستثمرها.
يمكنك استحضار أسماء من شئت من المشاهير ومن مشاهير النساء تحديدًا.. سيدات أعمال.. نساء يعملن في مجال السياسة ستجدين كثيرًا من النساء حتى من غير المشاهير، فهذه أتمت حفظ القرآن وهي في السبعين، وهذه حصلت على درجة الدكتواره في عمر أكبر وهكذا..
أنت أيضًا تستطيعين فعلها واقتناص فرصتك الثانية وأنت في عمر يمثل قمة العطاء والازدهار.. إيمانك بهذه الفكرة وحدها كفيل بتحويل حياتك؛ لأنك ستتعاملين مع مشكلاتك بالقطعة، وكل مشكلة ولها حل، بينما نظرتك التي تتسم بالتعقيد والتركيب لمشكلاتك تضاعف العبء النفسي عليك.
إدارة الحياة
وهذه بعض أفكار تساعدك على إدارة حياتك في الفترة القادمة:
* استعيني بالله دائمًا.. كل صباح اجلسي واذكري الله وتوكلي عليه وتعاملي في حدود يومك.. ضعي أهدافًا صغيرة تشعرك بالإنجاز، وكل مساء اجلسي جلسة أخرى تذكرين فيها الله تهدئ روعك وتمنع اكتئاب المساء والليل.
* لا تتعاملي بتحسس مع والدتك فهي تتعامل معك كفرد عادي في البيت، بينما تتعامل مع أزواج أخواتك باعتبارهم ضيوفًا يأتون للزيارة، وحتى لو أنها تتعامل معك بدرجة أقل نصبر هذه الفترة ونتحمل لأن لدينا هدفًا أكبر نسعى لتحقيقه.
* أنت لديك خبرة كافية من عملك السابق، قومي بتجديد السيرة الذاتية الخاصة بك ولا تملّي من البحث عن عمل جديد، ويمكنك الاستعانة بزملاء العمل القدامى، ولا تخجلي من الطلب ولا من السعي، فأنت تطلبين عملاً لا صدقة.
* فكّري بشكل مبتكر لو كان هناك فرصة لتأسيس عمل خاص بك.. الكثير من الأصدقاء يملكون المال لكنهم لا يملكون الخبرة في إدارته، فلو أن لديك فكرة مشروع صغير يمكنك أن تبحثي عن شراكة.
* كوّني دوائر علاقات جديدة بعيدة عن الأقارب.. يساعدك في ذلك المشاركة في عمل تطوعي فهذا يمنح حياتك معنى ومغزى، بالإضافة أن العلاقات الجديدة ستقلل جدًّا من شعورك بالوحدة.
* امشي كل يوم في الصباح الباكر نصف ساعة أو امشي قبل الغروب؛ فالحركة تساعد على إفراز هرمونات السعادة والشمس تقوم بتحسين المزاج، والمشي سيحسن من حالتك الصحية الجسدية وسيفتح شهيتك للطعام وسيساعدك على الحصول على قسط كاف من النوم ليلا.. ولا تنسي أنه مجانًا تمامًا فلِمَ تحرمين نفسك منه؟! أسعد الله قلبك غاليتي وأراح بالك ورزقك السعادة، ولا تنسي أن تتابعينا بأخبارك.