الإستشارة - المستشار : أ. فاطمة عبد الرءوف
- القسم : الطلاق وتبعاته
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
646 - رقم الاستشارة : 2360
13/08/2025
السلام عليكم.. تجرّأت يومًا واختَرتُ الطلاق بعد سنوات من العيش في جحيم زوجي، لم أطلب سوى حياةٍ هادئة لأولادي بعيدًا عن المشاحنات والصّراخ. ضحّيتُ بكل شيءٍ كي لا ينشأوا في بيئةٍ سامّة.. واليوم، يُعاقبون هم على شجاعتي!
المشكلة التي تُدمي قلبي: كلّما تقدّم شابٌ لخطبة إحدى بناتي، يتراجع فورًا حين يعلم أنني مطلّقة! حجّتهم: "بنات خرجن من أسرة مفكّكة.. ستكرّرن تجربة أمّهم!" الحقيقة: بناتي تربّين في بيتٍ تسوده الهدوء والاحترام، بينما كثيرون من أقرانهنّ يعيشون في أسرٍ "متماسكة" ظاهريًا، لكنّها ممزّقة بالكراهية!
السؤال الذي يقلقني: لماذا يُجازي المجتمعُ المرأةَ التي اختارت السلامة النفسية لأولادها.. بهذه القسوة؟ لو كنتُ بقيتُ في زواجي الفاشل، لكنتُ "أمًّا مكافحة"! وبما أنني طلقتُ، صرتُ "سبب عار" يُلاحق بناتي!
أتوسّل إليكم: كيف أُفهم المجتمع أن "الأسرة المفكّكة" هي التي يعيش أفرادها في جحيمٍ يومي، لا التي انفصلت بسلام؟
ما الردّ على مقولة "أبناء المطلّقين غير أسوياء"؟ (خاصّةً أن بناتي متفوقاتٌ ومستقرّات عاطفيًا!)
كيف أتعامل مع نظرات الشفقة من أقاربي، الذين يعيشون زواجًا بائسًا لكنّهم "مُحافظون على المظاهر"؟
لستُ نادمةً على طلاقي.. لكنّي أخشى أن تدفع بناتي ثمنًا ليس لهنّ ذنبٌ فيه سوى أنّني اختَرتُ أن أكون أمًّا سعيدةً بدلًا من زوجةٍ تعيسة!
التوقيع: أمٌّ تؤمن بأنّ البيئةَ الصحّيةَ خيرٌ من "أسرةٍ متماسكة" على ورق!
أهلاً وسهلاً ومرحبًا بك أختي الكريمة في موقعك بوابة الاستشارات الإلكترونية، وبعد..
أيتها الأم المكافحة حنانيك على نفسك، فالطلاق شرع الله عز وجل، وأنت لم ترتكبي خطيئة أو إثمًا حتى تعتبري أن ما حدث معك عار يلاحق بناتك.. أعلم أنك تقولين هذا الكلام على سبيل السخرية ولكن حتى لو كان على سبيل السخرية فلا تردديه أبدًا.. أنت وحدك يا سيدتي من عشت التجربة القاسية، وأنت وحدك من كان له الحق في تقييمها واتخاذ القرار الذي يمنحك السكينة والسلام النفسي.
الحياة اختيارات
سيدتي الفاضلة، أنت اخترت أن تكوني أُمًّا سعيدة بدلا من أن تكوني زوجة تعيسة، فلا تجعلك نظرات الشفقة ممن يعيشون حياة نكدة تؤثر على سعادتك وراحتك النفسية، فلقد لمست في كلماتك درجة كبيرة من التوتر، ولا شك أن هذا التوتر سينعكس على بناتك اللاتي هن كنزك الثمين الذي لأجله خضت غمار هذه التجربة.
فاهدئي -غاليتي- وأكثري من الاستغفار والصلاة على النبي والذكر عمومًا، وأكثري من قراءة القرآن الكريم حتى يطمئن قلبك ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾، ولا تسمحي لأي مشكلة أو أي ادعاءات أن تدمي قلبك فلا يمكن للإنس والجن مجتمعين أن يجرحوا قلبًا مطمئنًا بذكر الله.
أختي الكريمة، أريدك أكثر هدوءًا بحيث يتسع صدرك لاختلاف وجهات النظر، ولا تعتبري نفسك في معركة مصيرية مع المجتمع تريدين فيها الانتصار بالضربة القاضية، فإذا كانت الحياة اختيارات واخترت أنت خيار الطلاق، فكان عليك أن تدركي أن ثمة مشكلات ستواجهك، بدءًا من تحمل المسئولية التربوية وحيدة، مرورًا بافتقادك كأنثى لوجود زوج في حياتك، مرورًا بنظرة المجتمع التي التقيت بجزء منها عند وصول بناتك لسن الزواج، ولا شك أنك واجهت من قبل هذه النظرة في أمور أخرى.
وعن نظرة المجتمع التي جعلتك تكتبين هذه الاستشارة أريد أن أخبرك أنها تتغير ولكن تغيرًا بطيئا للغاية.. فالنظرة للمرأة المطلقة أصبحت أكثر تسامحًا مع وجود ملايين المطلقات، فلم تعد ثمة أسرة لا توجد فيها امرأة مطلقة، ولا شك أن هذه النظرة تختلف أيضًا باختلاف الطبقات والمجتمعات، والتغير الاجتماعي عمومًا من سماته أنه يتحرك ببطء شديد، وبمرور الوقت يتشكل وعي جديد أكثر مرونة وانفتاحًا، والصراخ والتشنج في وجه المجتمع لا يفيد ولا يحقق نتيجة، فلا يخسر الإنسان إلا طاقته النفسية التي جاهد للحصول عليها.
أريدك أيضًا أن تحترمي وجهات النظر الأخرى، فالمرأة التي ضحت بسعادتها الشخصية من أجل أن تحمي بناتها من النبذ الاجتماعي وحافظت على صورة أسرتها متماسكة ولو على الورق، لا يمكن أن نحقر منها ونقلل من شأنها ونعتبرها سيدة جبانة، فقد يكون خيارها هذا هو منتهى الشجاعة، لا يمكن أن نسخر ممن يقولون عنها إنها أُم مكافحة لأنها في كثير من الأحيان تكون هكذا بالفعل...
أقصد أن عليك احترام خيارات الآخرين وعدم الاستهزاء بها كما تودين أن يفعلوا ذلك معك، وحتى لو تعرضت للأذى، فهذا ليس مبررًا أن تردي الأذى بأذى مثله ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾، وكما اتفقنا فالحياة خيارات وليس معنى إيمانك بخيارك أن الخيارات الأخرى خاطئة، هي معادلة الضرر والنفع.. المزايا والعيوب، والظروف الشخصية ترجح كفة الميزان.
الزواج والرزق
أختي الكريمة، ثقي تمام الثقة أن الزواج رزق، فتوكلي على الله تعالى (لو أنكم توكلون على الله حق توكله، لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصا، وتروح بطانا)، وهذا الخاطب الذي يعدل عن الخطبة بسبب طلاقك لا خير فيه، ورزق بناتك لم يأت بعد..
تعلمين –غاليتي- الشباب أصبح خائفًا والبنات أصبحن يرهبن الزواج، والسبب كمية التجارب الفاشلة التي تحيط بهم جميعًا..
الشباب خائف ليس لأن بناتك نشأن في أسرة مفككة (لا تأخذي الأمر بحساسية، ولكن غياب ركن أساسي كالأب من المعادلة مؤشر على أن الأسرة ليست متماسكة ينقصها هذا الركن)؛ فالتفكك كثير للغاية، وكما ذكرت في رسالتك فكثير من الأسر تضربها الكراهية وتماسكها ظاهري هش ولكنهم يخافون من شبح الطلاق.. أن يسهل عليهن طلب الطلاق.. ألا يستطعن تحمل المسئولية، فالحياة الزوجية لا تخلو من الاختلافات وتحتاج بعض الصبر والتضحية وهم يخشون ألا يستطعن ذلك.. لا أحد يعرف تفاصيل تجربتك وكم الألم الذي عايشته حتى اتخذت قرارك هذا...
هم يخشون أن البنات تربين على أن الطلاق خيار سهل في مواجهة الصعوبات.. بالتأكيد أرفض هذه الفكرة ولا أبررها، لكنني مضطرة أن أفسر سلوكيات الشباب، وأنت ليس أمامك إلا الصبر حتى يرزق الله البنات بشباب متفهم واع ومرن يستطيع إدراك أن كل تجربة لها سياقها ولها ظروفها.. شباب يكفيه حسن خلق الفتيات وتعليمهن الراقي وثقافتهن الرفيعة.. شباب يتفهمك ويدرك أن ما قمت به كان لصالح البنات حتى لا ينشأن في بيئة سامة تضربها الكراهية.
والحقيقة أن هناك قطاعًا لا بأس به من الشباب يمتلكون الوعي الكافي لتفهم هذا، فقط اصبري وتفاءلي وتوكلي على الله، ولا تكفي عن الدعاء خاصة في أوقات الاستجابة أن يسعد الله قلوب بناتك ويرزقهن أزواجًا صالحين.. أسأل الله سبحانه أن يقر عينك بهن، ومرة أخرى أهلا وسهلاً بك، ولا تترددي في الكتابة لنا مرة أخرى، سواء كانت استشارتك خاصة بك أو خاصة بالبنات، فلن تجدي منا إلا آذانا صاغية متفهمة.