القدوة العملية في زمن التناقض الدعوي

Consultation Image

الإستشارة
  • المستشار : د. عادل عبد الله هندي
  • القسم : مناهج الدعوة ووسائلها
  • التقييم :
  • عدد المشاهدات : eye 40
  • رقم الاستشارة : 4073
08/02/2026

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أنا داعية شاب أعمل في مجال الدعوة منذ سنوات، وأبذل جهدًا في الخطاب والتوجيه والتعليم، لكنني ألاحظ فجوة متزايدة بين ما نقوله للناس وما يراقبونه في سلوك الدعاة عمومًا، بل وأحيانًا في نفسـي دون قصد.

أرى أن الناس لم يعودوا يتأثرون بالكلام المجرد، بل صاروا يُفَتِّشُون عن التطبيق العملي، ويقيسون صدق الدعوة بمدى انسجامها مع واقع الداعية نفسه.

أشعر بضغط نفسـي كبير، وخوف من أن أكون سببًا في صدّ الناس عن الدين إن قصّـرت، أو وقعتُ في تناقض بشـريّ عاديّ. فكيف أفهم دور القدوة في الدعوة فهمًا متوازنًا؟ وكيف أكون قدوة مؤثرة دون ادّعاء كمال أو وقوع في جلْد الذات؟

الإجابة 08/02/2026

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، مرحبًا بك أيها السائل الكريم، وبارك الله في صدقك ووعيـك؛ فإن هذا السؤال لا يصدر إلا من قلب حيٍّ يخشى الله ويقدّر أمانة الدعوة حق قدرها.

 

واعلم –وفّقك الله– أن قضية القدوة ليست عبئًا خانقًا على الداعية؛ بل هي في أصلها رحمة ومنهج حياة، إذا فُهمت على وجهها الصحيح.

 

وأول ما ينبغي تقريره: أنَّ الدعوةَ في جوهرها حالة تُعاش قبل أن تكون كلمات تُقال، ولهذا قدّم القرآن النموذج العملي على الخطاب النظري، فقال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾؛ فالأسوة هنا لم تكن خطبة ولا درسًا؛ بل سـيرةً وسلوكًا يوميًّا، تُترجم القيم إلى واقع محسوس يشاهده الآخرون فيك.

 

ومن المعالم المهمة في فهم القدوة الدعوية، ما يأتي:

 

1) القدوة ليست كمالًا معصومًا: فالقدوة في الإسلام لا تعني ادّعاء العصمة، ولا تقديم صورة ملائكيّة زائفة، وإنما تعني الصدق في الاتجاه، والوضوح في المنهج، والتوافق العام بين القول والعمل. وقد كان الصحابـة -رضي الله عنهم- يخطئون ويجتهدون، لكنهم كانوا صادقين في توبتهم، واضحين في التزامهم، فكان لذلك أعظم الأثر في الناس.

 

2) أخطر ما يُضعف الدعوة هو التّناقض لا التقصير: فالناس تتسامح مع التقصير البشـري، لكنها تنفر من التناقض الأخلاقي؛ أن يُقال شيء ويُمارس نقيضه دون اعتراف أو مراجعة. ولهذا حذّر القرآن من هذا المسلك فقال: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: 3]، فالخلل ليس في العجز، بل في ازدواجية الخطاب والسلوك.

 

3) الاعتراف بالضعف أحيانًا جزء من القدوة: فالداعية حين يعترف بإنسانيته، ويُظهر مجاهدته لنفسه، ويُقرّ بخطئه ثم يُصلحه، يقدّم نموذجًا واقعيًّا صادقًا يقرّب الناس من الدّين، لا يُبعدهم عنه. فالقدوة ليست ألا تسقط؛ بل أن تعرف كيف تقوم.

 

4) القدوة الصامتة أبلغ من آلاف الكلمات، فكم من موقف أخلاقي، أو أمانـة في عمل، أو حلم عند الغضب، أو حسن خدمة، أو عدل عند الخصومة، كان سببًا في هداية قلوب، دون موعظة واحدة. ولذا سميت بالدعوة الصامتة، أو الدعوة بالقدوة والسلوك قبل اللسان.

 

5) لا تجعل الخوف من التقصير سببًا لترك الدعوة: فترك البلاغ بدعوى عدم الكمال مدخل من مداخل الشيطان -كما قال ابن الحوزي رحمه الله- بل الواجب أن تجمع بين الدعوة والمجاهدة، وبين التأثير في الناس وإصلاح النفس في آن واحد، مع دوام الاستعانة بالله.

 

وختامًا أناديك وأحث همّتك:

 

اثبت -رعاك الله– على طريقك، وكن صادقًا مع ربـك ومع نفسك، واسعَ إلى التوازن لا إلى المثالية الوهمية.

 

أصلح نيتك، وجاهد نفسك، وقدّم للناس نموذج الإنسان المؤمن المجتهد، لا الصورة المتكلّفة المصطنعة.

 

واذكر دائمًا أن الله لا يطلب منك الكمال؛ بل الصدق والإخلاص وبذل الوسع.. ونسأل الله أن يجعلك قدوة هداية لا سبب فتنة، وأن يرزقك الصدق والثبات، وأن ينفع بك القلوب قبل الآذان، والسلوك قبل الكلمات.

 

روابط ذات صلة:

حين تسقط الأقنعة.. خيانة الداعية بين القدوة المعلنة والانحراف الخفي

صدمة القدوة.. ماذا أفعل حين أرى أبي الداعية يخون أمي؟

كيف أدعو وأنا أُذنِب؟! وهل للداعية أن يَسقُط؟

الرابط المختصر :