العمل الدعوي حين يفقد بوصلته.. جهود كثيرة وأثر قليل

Consultation Image

الإستشارة 18/02/2026

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أعمل ضمن فريق دعوي حيوي، لا يكاد يهدأ؛ أنشطة متتابعة، ودروس متكررة، ومبادرات لا تنقطع. ومع ذلك، وبعد مرور الوقت، بدأنا نشعر أن ثمار هذه الجهود محدودة، وأننا ندور في دائرة من التكرار، نبذل كثيرًا ولا نرى أثرًا يوازي العناء.

نُنجز أعمالًا كثيرة، لكننا نفتقد الوضوح: ما الغاية الكبرى مما نقوم به؟ من الفئة التي نخاطبها أصلًا؟ وما الذي ينبغي أن يُقدَّم أولًا وما الذي يُؤجَّل؟ فكيف ننتقل بالعمل الدعوي من مجرد حركة نشيطة إلى مسيرة واعية، تحفظ الجهد، وتبني أثرًا حقيقيًّا ممتدًا؟

الإجابة 18/02/2026

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، مرحبًا بك أيها السائل الكريم، وبارك الله في غيرتك وهمّك؛ وإن هذا السؤال لا يصدر إلا عن قلب صادق بدأ يراجع نفسه طلبًا للإحسان، لا تشكيكًا ولا تقصيرًا.

 

والحقيقة التي ينبغي أن تُقال بوضوح:

 

أن كثرة الأعمال لا تعني دائمًا كثرة الأثر، وأن الدعوة قد تُستنزف حين تتحول إلى أنشطة متلاحقة بلا رؤية جامعة. وهذه آفة شائعة في العمل الدعوي المعاصر، لا بسبب ضعف الإخلاص -في الغالب- ولكن بسبب غياب التخطيط الواعي.

 

فالدعوة في أصلها ليست حركة عشوائية، ولا ردود أفعال ظرفية، وإنما هي عمل مقصود، له غاية واضحة، وخطوات محسوبة. وقد جسّد النبي ﷺ هذا المعنى في سيرته أصدق تجسيد؛ فبدأ بالدعوة سرًّا حين اقتضت الحكمة، ثم جهر بها، وبنى الأفراد قبل أن يبني الجماعة، وسار بالتدرج لا بالارتجال، وبالحكمة لا بالعجلة.

 

معالم لا غنى عنها في التخطيط الدعوي

 

أول هذه المعالم: وضوح الهدف قبل اختيار الوسيلة؛ فلا بد أن نسأل أنفسنا بصدق: ماذا نريد من هذا العمل؟ هل نهدف إلى تصحيح عقيدة؟ أم بناء وعي؟ أم إصلاح سلوك؟ أم إعداد كوادر؟ وحين يغيب الجواب، تتكدّس الوسائل بلا ثمرة.

 

وثانيها: معرفة المخاطَبين معرفة حقيقية؛ فالدعوة ليست خطابًا واحدًا يُلقى للجميع؛ حديثك للشباب ليس كحديثك للأسر، ولا للمبتدئين في طريق الالتزام، ولا لمن استقرت أقدامهم فيه. ولكل فئة لغتها، واحتياجاتها، وأولوياتها.

 

وثالثها: فقه الأولويات؛ فليس كل خير يُقدَّم في كل وقت، ولا كل مشروع يُناسب كل مرحلة. وقد يكون تأجيل بعض الأعمال أنفع من الإكثار منها في غير موضعها.

 

ورابعها: العمل التراكمي لا الموسمي؛ فالبناء الحقيقي لا تصنعه الفعاليات السريعة وحدها، وإنما يصنعه العمل الهادئ المستمر، الذي يُراكم أثرًا فوق أثر، ويُنشئ نفوسًا لا لحظات حماس عابرة.

 

وخامسها: المراجعة والتقويم؛ فالتقييم ليس تشكيكًا في النيات، ولا تقليلًا من الجهود، بل هو عين الأمانة؛ به يُعرف الخلل، ويُصحَّح المسار، ويُحفظ الجهد من الضياع. قال الله تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا﴾ [البقرة: 148]، ومن لم يعرف وجهته، طال عليه الطريق، وتعب دون وصول.

 

ونصيحتي ودعواتي لكم:

 

اجعلوا الدعوة مشروعًا واعيًا، لا مجرد نشاط متكرر، وخطة واضحة، لا حركة مرهقة، فالقليل حين يُحسن توجيهه، أنفع من الكثير حين يتبدد، والعمل المخطط له قد يغيّر مسارًا، بينما الجهد المبعثر يستهلك القلوب قبل أن يُصلح الواقع.

 

ونسأل الله -ختامًا- أن يبارك في مساعيكم، وأن يرزقكم البصيرة قبل الكثرة، والحكمة قبل العجلة، وأن يجعل أعمالكم خالصة له، نافعة لعباده، ممتدة الأثر.

 

روابط ذات صلة:

نجاح الداعية.. بين إخلاص النية ووهْم أرقام المتابعين

قياس الأثر والنجاح في البرامج الدعوية غير المرئية

قياس أثر الدعوة في المجتمع.. خطوات نحو الفاعلية

يدعو عبر الإنترنت بلا تأثير.. ماذا يفعل؟

الدعوة عبر المنصات الرقمية.. الأثر أم الأرقام؟

الرابط المختصر :