الإستشارة - المستشار : د. عادل عبد الله هندي
- القسم : التخطيط الدعوي
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
115 - رقم الاستشارة : 4072
08/02/2026
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.. أنا داعية شاب، أسأل الله أن يبارك في علمكم. وأُشْـرِفُ على محضن تربوي يضمّ مجموعة من خيرة الدعاة والمربين، لكنني مؤخراً بـدأت أشعر بغُصّة في قلبي؛ فقد دبّ الخلاف بيننا حول بعض الخطط والوسائل الدعوية، وتحول النقاش العلمي إلى خصومة شخصية، حتى أصبح البعض يرفض رأي الآخر لمجرد أنه صادِر من فلان!
أشعر أن قوتنا بدأت تذهب، وأن جهودنا التي خططنا لها لسنوات تضيع في مساجلات عقيمة. كيف أعيد ترتيب أوراقنا؟ وكيف أتعامل مع هذا التنازع قبل أن ينهار المحضن فوق رؤوسنا؟ أفيدوني مأجورين..
أهلاً بك وبغيرتك الصادقة أيها الأخ السائل الحبيب، وحياك الله في رحاب هذا المشورة، التي نسأل الله تعالى أن يجعل فيها النفع.
واعلم بأنّ ما تصفه ليس مجرد سحابة صيف؛ بل هو داء عبّر عنه القرآن بـ(التنازع) وقد حذر منه القرآن والسنة بأشد العبارات، وهو العقبة الكؤود التي قد تحول التخطيط الدعوي من بناء شامخ إلى ركام متناثر.. ومن هنا فإني أسوق إليك الآتي:
أولاً: افهم طبيعة الداء وأثره؛ اعلم -رعاك الله- أن التنازع بين الدعاة هو (قاطع الطريق) على النجاح؛ فالله عز وجل يقول: {وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ}. فالفشل هو النتيجة الحتمية والمُرّة لهذا التشـرذم، و(ذهاب الريح) يعني ذهاب قوتكم وهيبتكم في قلوب المدعوين الذين ينظرون إليكم كقُدُوات. وهذا التنازع هو (الحالقة) التي تمنع فعل الخيرات وتحصيل العلوم والمحبة الكاملة في الله.
ثانيًا: شخّص أسباب النزاع في محضنك من خلال تأمل الواقع الدعوي، وستلحظ أن (التعصب الفكري) سيبرز كسبب رئيس؛ وهو تحيز الداعية أو الشخص لفكره ورأيه أو لقول شخص محدد غير الشارع، مما ينتج عنه عدم تقبل أي فكر جديد.
وقد يكون (الحسد) هو المحرّك الخفي -نعوذ بالله منه- خاصة في التنافس على كثرة الأتباع أو القبول لدى الناس. ومن هنا يمكن القول بأنّ اعترافك بوجود هذه الأمراض هو نصف الطريق نحو العلاج.
ثالثًا: المنهج النبوي في الإصلاح، وفيه العلاج؛ الذي يبدأ من (الإصلاح) وهو مهمة الأنبياء، وهو إزالة ما بينكم من عداوة وقطيعة وإرجاع المودة.
بادر أنت بالصلح، فقد كان النبي ﷺ يقول لأصحابه حين يختلف الناس: (اذهبوا بنا نصلح بينهم). تذكر أن (إصلاح ذات البين) أفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة.
رابعًا: خطوات عملية للحل
1) الرد إلى الله والرسول: اجعل مرجعيتكم عند اختلاف وجهات النظر في التخطيط هي الدليل الشـرعي الصريح، لا الهوى ولا الشخصيات، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} [النساء: 59].
2) إرساء فقه الائتلاف: ذكِّر إخوانك بأنَّ الشـريعة سمحت بوجود الاختلاف في أداء الطاعات، وأن النبي ﷺ قال (عمليًّا) للمختلِفين: (كلاكما محسن، لا تختلفوا) كما في حديث بني قريظة، وصلاة العصر، ففي البخاري من حديث ابن عمر، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لَنَا لَمَّا رَجَعَ مِنَ الأَحْزَابِ: «لاَ يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ العَصْـرَ إِلَّا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ» فَأَدْرَكَ بَعْضَهُمُ العَصْرُ فِي الطَّرِيقِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لاَ نُصَلِّي حَتَّى نَأْتِيَهَا، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ نُصَلِّي، لَمْ يُرَدْ مِنَّا ذَلِكَ، فَذُكِرَ لِلنَّبِيِّ ﷺ، فَلَمْ يُعَنِّفْ وَاحِدًا مِنْهُمْ..
3) تجريد النية من الحسد: جاهد نفسك وإخوانك على تطهير القلوب، فالمؤمن الحقيقي لا يجد في صدره غلاً للذين آمنوا، والنجاح لأيّ فرد فيكم هو نجاح للدعوة كلها، قال تعالى في شأن هذه الفئة النقية: {وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} [الحشر: 10].
وأنصحك ختاما بالآتي:
* كن أنت (صمام الأمان) وحرز الحماية لمحضنك من خلال إشاعة روح التسامح.
* لا تترك الخلافات الصغيرة تتفاقم؛ بل بادر بحلها عبر جلسات (المصارحة بالمودة) فور وقوعها.
* تذكر أن تماسك فريقك هو الذي يظهر (المجتمع القوي) أمام المدعوين، وهو من أسباب نيل مرضاة الله.
وفي نهاية جوابي أتوجه إلى الله تعالى بهذه الدعوات: اللهم ألِّف بين قلوبهم، وأصلح ذات بينهم، واهدهم سبل السلام، واجعل جهودهم خالصة لوجهك الكريم، وانفع بهم البلاد والعباد.
روابط ذات صلة:
كيف يتعامل قادة الفرق مع الخلاف والنزاع؟
رفيق الدعوة متصلّب الرأي.. كيف أتعامل معه؟