الإستشارة - المستشار : د. عادل عبد الله هندي
- القسم : التخطيط الدعوي
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
437 - رقم الاستشارة : 2967
14/10/2025
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،
فضيلة المستشار الكريم، جزاكم الله خيرًا ونفع بكم.
أنا أنقل إليكم معاناة قريبة لي أثقلت قلبها وأرهقتها حيرتها. تقول:
"أشعر أن حياتي تدور في دائرة مغلقة، أدرس، أذاكر، أنجح، ثم أعود لنفس الروتين وكأن شيئًا لم يتغير. يغمرني فراغ داخلي يجعلني أتساءل: لماذا أعيش؟ ما الهدف من وجودي أصلًا؟
سمعت آراء متناقضة من الناس: منهم من يقول إن الغاية في السعادة الدنيوية والمتعة، ومنهم من يذهب إلى أن الحياة أوسع وأعمق. ولكنني لا أجد جوابًا يملأ قلبي يقينًا ويمنحني الطمأنينة.
أحتاج أن أفهم: ما الهدف الحقيقي من وجود الإنسان؟ وكيف أستطيع أن أعيش حياتي بوعي ورسالة تجعلني أكثر طمأنينة وأقرب إلى الاستقرار النفسي والروحي؟".
مرحبًا بكِ أيتها الكريمة الباحثة عن الحقيقة، وأسأل الله أن ينير قلبكِ بالهداية، وأن يشرح صدركِ للحق، وأن يمنحكِ الطمأنينة التي تبحثين عنها، فقد قال الله تعالى: {فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلَامِ}، إن مجرد سؤالكِ عن المعنى والغاية هو دليل على حياة قلبكِ وطلبكِ للحق، وهذا بحد ذاته خطوة عظيمة نحو الطمأنينة التي تتمنينها.
ما الهدف من الوجود الإنساني في القرآن والسنة؟
القرآن الكريم يضع الجواب الجوهري لسؤالكِ في كلمات جامعة؛ قال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} كما في سورة الذاريات، أي: أن الغاية العظمى هي عبادة الله، لا بمعنى مجرد الشعائر، بل بمعنى أشمل: أن يعيش الإنسان حياته كلها في طاعة الله، وسعيه، ودراسته، وعمله، ونومه، وأحلامه، كلها تصبح عبادة إذا قصد بها وجه الله.
وقال تعالى: {الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} [الملك: 2] أي أن الحياة ليست عبثًا، بل ميدان اختبار: كيف نعيش؟ كيف نختار؟ كيف نصبر ونشكر؟
وفي السنة النبوية، قال النبي ﷺ: (ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب)، فالقلب إذا امتلأ بالإيمان والمعنى عاش صاحبه حياة طيبة، وإذا خلا عاش تيهًا وقلقًا.
لماذا يشعر البعض بالفراغ رغم النجاح الدنيوي؟
يعود ذلك غالبًا إلى الآتي:
1. النجاح المادي لا يملأ القلب: قد ينجح الإنسان في دراسته أو ماله أو مكانته، لكنه يظل تائهًا لأنه لم يجب على سؤال "لماذا أعيش؟"
2. الفراغ الروحي: الروح خُلقت لتتصل بالله، فإذا حُرمت من هذا الاتصال عاشت عطشًا دائمًا. قال تعالى: {وَمَن أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا} [طه: 124].
3. تضارب الأفكار: في عصرنا تكثر الأصوات؛ البعض يقدّس المتعة، والبعض يقدّس النجاح الفردي، والحق أن المعنى لا يستقر إلا عند من يضع الغاية في إطارها الصحيح: عبادة الله، وعمارة الأرض، وخدمة الناس.
المعنى في ضوء القرآن والسنة والتاريخ
1. لا بد من النظر إلى الدنيا كمرحلة لا غاية: قال النبي ﷺ: (ما لي وللدنيا، ما أنا في الدنيا إلا كراكب استظل تحت شجرة ثم راح وتركها) فالحياة ليست هي النهاية، بل جسر إلى الآخرة.
2. استحضار رسالة الاستخلاف: الله جعل الإنسان خليفة في الأرض: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً} [البقرة: 30]. أي أن حياتنا ليست عبثًا، بل لها دور في إصلاح الأرض ونشر العدل والخير.
3. نماذج من التاريخ، سحرة فرعون عمرهم في الإسلام لا يتجاوز اليوم الواحد وحققوا الغاية ودخلوا الجنة شهداء، ثابتين على الحق والإيمان، وهذا سيدنا عمر بن عبد العزيز: عاش حياته القصيرة، لكنه ملأها بالعدل والإصلاح حتى صار يُلقب بالخليفة الراشد، والإمام النووي: عاش أقل من 50 عامًا، لكن كتبه لا تزال تنير العالم الإسلامي، وهذا يدل على أن العمر ليس بعدد السنين، بل بقدر الرسالة ولعلنا سمعنا عن الرجل الذي دخل الجنة ولم يسجد لله سجدة.
كيف تجد الطمأنينة الداخلية؟
ويمكن تحقيق ذلك من خلال ما يأتي:
1. ربط القلب بالله: الذكر والقرآن يملآن الفراغ الروحي. قال تعالى: {أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} [الرعد: 28].
2. العيش بالرسالة لا بالعادة: اجعلي لنفسك هدفًا يتجاوز مجرد النجاح الدراسي: نصرة الحق، إفادة الناس، خدمة الإنسانية، نشر الخير.
3. الموازنة بين الدنيا والآخرة: الإسلام لا يرفض السعادة الدنيوية، بل يوازنها بالآخرة. قال تعالى: {وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا} [القصص: 77].
4. الصحبة الصالحة: الإنسان يتأثر بمن حوله، والصديق الصالح يعين على الثبات.
5. القراءة في سير العظماء: قصص الأنبياء، الصحابة، العلماء، والمصلحين، تعطيكِ زادًا معنويًا وتذكركِ أن كل إنسان يمكن أن يكون له دور ورسالة.
أبرز الأخطاء التي توقع الإنسان في الحيرة
1. حصر الغاية في الدنيا: وهذا يجعلها ضيقة لا تشبع الروح.
2. الانغماس في الروتين بلا هدف أسمى: مما يولّد شعورًا بالفراغ.
3. الإصغاء لكل صوت دون تمييز: فيضيع الإنسان بين فلسفات متناقضة.
ومن هنا أنصحك بالآتي:
1. اجعلي نيتكِ دائمًا لله في كل عمل صغير أو كبير.
2. خصصي وقتًا يوميًّا للقرآن والذكر، فهي غذاء الروح.
3. اكتبي لنفسكِ "رسالة حياة" واضحة: ماذا أريد أن أقدم؟ كيف أترك أثرًا؟
4. لا تبحثي عن الكمال في الدنيا، فالجنة وحدها دار الكمال.
5. تذكري أن الحيرة بداية الطريق إلى اليقين إذا أُحسِن التعامل معها.
أختي الكريمة، إن الله لم يخلقكِ عبثًا، ولم يترككِ سُدى، بل جعلكِ ذات رسالة، وأراد لكِ أن تكوني خليفة في الأرض، عابدة له، عاملة بالخير. فاملئي فراغكِ بالقرب من الله، واعملي لدنياكِ كأنكِ تعيشين أبدًا، ولآخرتكِ كأنكِ تموتين غدًا.
أسأل الله أن يرزقكِ سكينة القلب، وبصيرة في الدين، ورسالة واضحة تعيشين بها وتلقينه بها ربكِ، وأن يجعل حياتكِ شاهدة لكِ لا عليكِ.
روابط ذات صلة:
طمأنينة العقل والقلب في مواجهة الإلحاد الجديد
الروحانية اللادينية.. الطمأنينة بلا دين
كيف يحقق الدين الطمأنينة والسعادة للناس؟
خطوات عملية لتحقيق الطمأنينة والتوكل على الله