الإستشارة - المستشار : د. أميمة السيد
- القسم : الشباب
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
300 - رقم الاستشارة : 3129
03/11/2025
هل يمكن أن نعتبر الاضطراب الموسمي العاطفي (Seasonal Affective Disorder - SAD) ظاهرة نفسية وبيولوجية تعكس تأثير التغيرات الموسمية على المزاج والصحة النفسية، مما يدعونا إلى التساؤل عن العلاقة بين التغيرات البيئية، مثل قصر النهار وبرودة الطقس، وكيفية تأثيرها على الوظائف الذهنية والنفسية للأفراد؟ وكيف يمكن أن نستفيد من فهم هذا الاضطراب العلمي لتطوير استراتيجيات علاجية ووقائية تساعد على تحسين الحالة النفسية والصحية خلال فصول السنة المختلفة، مع مراعاة العوامل البيولوجية والنفسية والبيئية؟
وعلى جانب آخر، كيف يمكن أن تؤثر العبادات، والنشاطات، والفتور، ودورات العمل، والمدارس والجامعات على مستوى النشاط والحيوية لدى الطلاب والموظفين، خاصة في فصول السنة التي تتسم بقصر النهار أو برودة الطقس، مما يؤدي أحيانًا إلى ضعف الحوافز وزيادة الشعور بالفتور والكسل؟ وكيف يمكن التعامل مع هذه العوامل بشكل علمي وفكري لتعزيز الإنتاجية والاستقرار النفسي، ومواجهة آثار الاضطراب الموسمي العاطفي على المجتمع والأفراد؟
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،
أهلا ومرحبا بكم في موقع استشارات المجتمع، وبعد:
فالرد على سؤالك سيكون من خلال عدة نقاط لشرح هذه الحالة التي تمر بها في وقت معين من السنة.
الاضطراب الموسمي العاطفي
ونبدأ بهذا السؤال المهم: هل ينظر إلى الاضطراب الموسمي العاطفي كظاهرة نفسية بيولوجية؟
نعم: الاضطراب الموسمي العاطفي (Seasonal Affective Disorder – SAD) يُنظر إليه علميًّا كسلوك ناتج عن تفاعل عوامل بيولوجية ونفسية وبيئية.
من أهم الجوانب البيولوجية المرتبطة به: اضطراب الإيقاع اليومي (circadian rhythm)، حصول تغيّر في إفراز الميلاتونين والسيروتونين، ونقص ضوء النهار يؤثر على المزاج والطاقة.
نفسيًّا، قد يُفاقم القلق والاكتئاب السابق، أو ضعف استراتيجيات التعامل؛ وبيئيًّا، قصر النهار، انخفاض التعرض للضوء الطبيعي، وبرودة الطقس تسهم في تقليل النشاط والحيوية لدى كثيرين.
مظاهر سريرية شائعة
وهناك مظاهر سريرية تربوية شائعة وهي (علامات يستدعي الانتباه إليها):
- انخفاض المزاج العام، فقدان الدافعية، انخفاض الانتباه والتركيز المدرسي أو الوظيفي.
- اضطراب في النوم: فرط النوم (hypersomnia) أو الأرق (insomnia).
- تغيّر في الشهية (زيادة أحيانًا) ووزن قد يزداد.
- انسحاب اجتماعي، انخفاض المشاركة في الأنشطة المدرسية أو المهام الوظيفية.
هذه العلامات تؤثر تعلميًّا وتربويًّا على الطلاب والموظفين وتقلل الإنتاجية والرفاهية.
توظيف الفهم العلمي للعلاج
كيف نُوظّف الفهم العلمي لتطوير استراتيجيات علاجية ووقائية؟
وهنا أقترح خطة متعددة المستويات تجمع بين تدخلات بيئية، تربوية، نفسية، وطبية عند الحاجة:
أولًا: التدخلات البيئية والتربوية:
تعظيم التعرض للضوء الطبيعي في المدارس والمؤسسات..
- ترتيب الفصول بحيث تستفيد من نوافذ كبيرة، جلسات نشاط خارجية خلال منتصف اليوم، وإتاحة فترات استراحة مُخططة للضوء.
- تحسين الإضاءة الاصطناعية.. استخدام وحدات إضاءة قوية مناسبة في الفصول والمكاتب، خصوصًا في الصباح.
- مواعيد مرنة/إعادة جدولة الأنشطة.. إذا أمكن، تنظيم الأنشطة الحيوية في الفترات التي تكون فيها شمس النهار متوافرة أكثر.
- تصميم برامج مدرسية تحفّز الحركة والنشاط البدني خلال الحصص.. فالنشاط البدني يعزز إفراز السيروتونين والطاقة.
- إدخال محتوى تربوي عن الإيقاع اليومي أو الساعة البيلوجية للجسم ونصائح للنوم ضمن مواد الإرشاد أو حصص الصحة النفسية.
ثانيًا: التدخلات النفسية (Psychological Interventions):
- العلاج السلوكي المعرفي الموجّه للموسمية (CBT for SAD)، حيث يهدف لتعديل الأفكار والسلوكيات المؤدية إلى الكآبة، وزيادة جدولة نشاطات متدرجة تُعيد الإحساس بالإنجاز.
- برامج تنشيط اجتماعي (social activation) لتعزيز الروابط الأسرية والمدرسية؛ لأن الدعم الاجتماعي يخفف الأعراض.
- كذلك التدريب على مهارات تنظيم الوقت والدافعية (تقنيات التحفيز) أساسي للطلاب والموظفين الذين يعانون من الفتور.
ثالثّا: التدخلات الطبية والغذائية (Medical / Nutritional):
- العلاج بالضوء (Light Therapy / Phototherapy) جهاز ضوء ساطع يُستخدم صباحًا تحت إشراف مختص قد يخفف أعراض SAD.
- ومن المهم فحص مستويات فيتامين د (Vitamin D) واستشارة طبية عند الحاجة.
أما في الحالات الشديدة، قد ينصح الأطباء بمضادات اكتئاب أو علاج دوائي آخر؛ ولكن حذاري، فالدخول في هذا المسار يكون بتنسيق مع طبيب نفسي.
رابعًا: الوقاية المدرسية والأسرية وذلك بالآتي:
- توعية الأهالي والمعلمين بعلامات SAD وإجراءات الدعم المبكر.
- تصميم جداول مدرسية تراعي فترات النشاط البدني والاحتياطات الموسمية.
- خلق بيئة صفية حاضنة: بتشجيع المشاركة، تقليل التنمر أو السخرية التي قد تُفاقم التراجع النفسي.
- العبادات والأنشطة الاجتماعية تلعب دورًا وقائيًّا وتدعيميًّا حين تتوفر وتنفذ بالشكل الآتي:
- تنسيق هيكل زمني وروتين يومي ثابت (مثلاً أوقات الصلاة) يساعد في تنظيم الإيقاع اليومي.
- ترسيخ المعنى والمرجع الأخلاقي الدينى يقلّل الإحساس بالفراغ والفتور ويعزز الصبر والرضا، قال الله تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾.
- الحرص على تواصل اجتماعي ودعم جماعي عبر النشاطات الجماعية، مما يخفف العزلة. لذلك، تشجيع أداء العبادة الجماعية، حلقات الذكر، وبرامج التطوع المدروسة يساهم في رفع مستوى النشاط والحيوية النفسية.
التعامل العملي
التعامل العملي مع الفتور في المدارس والجامعات ومواقع العمل:
1- للمدرسة/الجامعة:
- جدولة فترات «نشاط» قصيرة بين المحاضرات (10 – 15 دقيقة) للحركة والتهوية الضوئية.
- إن أمكن، تضمين فحوصات سريعة في الإرشاد الطلابي خلال فصول الخريف والشتاء.
- تدريب المدرسين على استراتيجيات تنشيط الصف وتقنيات إدارة الطاقة الصفية.
2- للموظفين وإدارة المؤسسات:
- برامج مرنة للساعات أو العمل الهجين (إن أمكن) للاستفادة من ضوء النهار.
- جلسات توعية عن إدارة الطاقة، وأهمية النوم، والنشاط البدني.
3- خلق ثقافة مؤسسية داعمة: بتشجيع الإجازات القصيرة، وتخصيص وقت للراحة الحقيقية.
4- توصيات عملية للأهل والمعلمين والمستشارين:
- راقِبوا العلامات المبكرة:
- انقطاع الاهتمام، تراجع الأداء، تغيرات النوم والشهية.
- اعملوا على هيكلة روتين يومي ثابت .
- دمج النشاط البدني اليومي (مشي 20–30 دقيقة) وخصوصًا أثناء النهار.
- استخدموا تقنيات جدولة نشاطات صغيرة ممتعة ومفيدة ثم تكبيرها تدريجيًّا.
- توعية الطلاب والموظفين بلوائح الصحة النفسية وكيف ومتى يطلبون المساعدة.
- عند تزايد الأعراض أو ظهور أعراض اكتئابية مقلقة (أفكار انتحارية لا قدر الله، انسحاب تام، عجز وظيفي كبير) فالتوجيه للفحص الطبي والنفسي العاجل ضروري.
*همسة أخيرة:
الاضطراب الموسمي العاطفي هو تحدٍ متعدد الأبعاد يتطلب إجابة متكاملة تربويًّا ونفسيًّا وبيئيًّا وطبيًّا.
الجمع بين التدخلات البيئية (ضوء، بيئة صفية)، التدخلات النفسية السلوكية CBT، التدخلات الوقائية في المدارس وأماكن العمل، والبُعد الروحي الداعم (عبادات، معاني)، يقدّم أفضل فرصة للحفاظ على نشاط الطلاب والموظفين واستقرار المجتمع النفسي خلال فصول السنة المختلفة.
روابط ذات صلة: