الدعوة في المجالس ومواقع التواصل.. واجبة أم اختيارية؟

Consultation Image

الإستشارة
  • المستشار : أ. فتحي عبد الستار
  • القسم : مناهج الدعوة ووسائلها
  • التقييم :
  • عدد المشاهدات : eye 22
  • رقم الاستشارة : 4693
02/05/2026

أنا رجل متدين وأحرص على الطاعات، إلا أنني لا أُحب أن أتحدث في الدين كثيرًا، لا على مواقع التواصل، ولا في الجلسات العائلية أو مع الأصدقاء. أُفضّل الصمت. لكنّ البعض ينكر عليَّ ويريد أن يُحمّلني مسؤولية الدعوة إلى الله.

فهل صمتي وعدم القيام بالنصح لأحد أو عدم الحديث عن الدين في المجالس التي أحضرها يعد تخليًا عن واجب شرعي؟

الإجابة 02/05/2026

مرحبًا بك أخي الكريم، وأشكرك على تواصلك معنا، وأسأل الله العلي القدير أن يثبتك على طاعته، وأن يشرح صدرك، ويجعل صمتك فكرًا ونطقك ذكرًا، وأن يرزقك البصيرة في دينك، والحكمة في تعاملك مع خلقه، وبعد...

 

فإن الصمت الذي تفضله ليس بالضرورة سلبيًّا؛ بل قد يكون في كثير من الأحيان عبادة في حد ذاته، ومنزلًا من منازل الرقي. إن اللَّبس الحاصل لدى من حولك ينبع من خلطهم بين مجرد الدعوة باللسان وبين جوهر البلاغ الرسالة، وبين المسؤولية الفردية في العبادة وبين المسؤولية الجماعية. وسأحاول في السطور التالية تفصيل هذا الأمر.

 

صمتك ليس تخليًا عن الواجب

 

يجب أن تعلم -يا أخي- أن الدعوة إلى الله ليست محصورة في الخطابة أو كثرة الكلام في المجالس؛ بل إن أعظم أنواع الدعوة أثرًا هي الدعوة بالحال لا بالمقال. فحفاظك على طاعاتك، وسمتك الصالح، وأخلاقك في التعامل، هي رسائل صامتة تصل إلى القلوب أسرع من الكلمات.

 

لقد كان النبي ﷺ يدعو بأخلاقه قبل أن ينطق بالوحي، وقد وصف الله -تعالى- أثر القدوة واللين في قوله: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: 159].

 

فحين يراك الناس صادقًا، أمينًا، مؤديًا لحقوق الله وحقوقهم، غاضًّا لبصرك، محافظًا على صلواتك... إلخ، فإنك بذلك تؤدي واجب البلاغ والرسالة بأبهى صوره. وقد قال عالم لطلابه: «ادعوا إلى الله وأنتم صامتون»، فسألوه: وكيف ذلك؟ فقال: «بأخلاقكم».

 

متى يكون الكلام واجبًا؟ ومتى يكون الصمت فضيلة؟

 

إن واجب النصح أو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر له ضوابط. فإذا رأيت منكرًا ظاهرًا يقينًا في مجلسك، فهنا يأتي التكليف النبوي كما في الحديث: «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ» [رواه مسلم].

 

أما ما عدا ذلك من الوعظ العام، أو فتح النقاشات الدينية في كل مجلس، فهو ليس واجبًا عينيًّا على كل مسلم؛ خصوصًا لمن لا يجد في نفسه القدرة على ذلك، أو يخشى على نفسه شيئًا ما، أو يفضِّل سد ذريعة الجدال المذموم.

 

والصمت هنا وقاية، فقد قال النبي ﷺ: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ» [رواه البخاري]. فإذا رأيت أن صمتك يسلِّمك من لغو القول أو الجدال الذي لا يورث إلا ضغينة، فصمتك هنا هو الخير الذي أمر به الحديث.

 

مراعاة حال السامعين

 

كان الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- يذكِّر الناس في كل يوم خميس، فقال له رجل: يا أبا عبد الرحمن، لوددت أنك ذكرتنا كل يوم! فقال: «أَمَا إِنَّهُ يَمْنَعُنِي مِنْ ذَلِكَ أَنِّي أَكْرَهُ أَنْ أُمِلَّكُمْ، وَإِنِّي أَتَخَوَّلُكُمْ بِالْمَوْعِظَةِ، كَمَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَتَخَوَّلُنَا بِهَا، مَخَافَةَ السَّآمَةِ عَلَيْنَا» [متفق عليه].

 

هذا الفقه من ابن مسعود -رضي الله عنه- يوضح أن كثرة الحديث في الدين في كل وقت قد تؤدي إلى الملل أو الثقل على نفوس الناس، مما قد ينفرهم من الدين بدلًا من تحبيبهم فيه. فإيثارك للصمت في المجالس العامة أو العائلية قد يكون من الحكمة لكيلا يُربط وجودك دائمًا بـ«الوعظ الثقيل»، فتكون ثقيلًا على القلوب.

 

الدعوة فرض كفاية

 

إن حُكم الدعوة إلى الله ببيان الأحكام والتصدي للشبهات هو أنها فرض كفاية؛ أي إذا قام بها العلماء والدعاة المتخصصون سقط الإثم عن الباقين. فالله -عز وجل- يقول: ﴿ومَا كَانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ ولِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إذَا رَجَعُوا إلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة: 122].

 

وقد جاء رجل إلى النبي ﷺ يسأل عن فرائض الإسلام، فلما أخبره بها قال: «والله لا أزيد على هذا ولا أنقص»، فقال النبي ﷺ: «أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ» [رواه البخاري]. فالحفاظ على أصل الدين والطاعات هو الفلاح، وليس شرطًا أن تكون خطيبًا أو محاورًا.

 

إلا أنك بصفتك رجلًا صالحًا، يمكنك أن تقوم بدورٍ في الدعوة إلى الله -سبحانه- على منصات التواصل أو في الجلسات، إذا وجدت حاجة ماسة لذلك، وكنت عالمًا بما تقول، متيقنًا بصحته؛ حيث قال ﷺ: «بَلِّغوا عَنِّي ولو آيةً» [رواه البخاري].

 

كيف تتعامل مع إنكار الآخرين عليك؟

 

عندما يلومك البعض على صمتك، يمكنك الرد عليهم بلطف وحكمة، موضحًا أن لكل إنسان ثغرًا يقوم عليه؛ فهناك من يخدم الدين بلسانه، وهناك من يخدمه بالصدقات والإحسان، وهناك من يخدمه بحُسن خلقه وسَمته... إلخ.

 

قل لهم بلسان الحال: «أنا أحب أن يتمثل فيَّ الدين سلوكًا قبل أن يكون قولًا». مع علمك أن ضغوطهم هذه قد تنبع من محبتهم لك ورؤيتهم للصلاح فيك، فاستقبلها بصدر رحب.

 

وختامًا أخي الحبيب، إن الصمت الذي تفضله، ما دام لا يتضمن سكوتًا عن باطل يُطلب منك إنكاره، هو حصن حصين لك، ولا يعد تخليًا عن واجب شرعي. فاستمر في صلاتك، وذِكرك الخفي، وأخلاقك العالية مع أهلك وأصدقائك، فربَّ فعلٍ واحد منك يغير حياة إنسان أكثر من ألف خطبة.

 

اللهم يا مقلب القلوب، ثبت قلوبنا على دينك، اللهم اجعلنا هداة مهتدين، غير ضالين ولا مضلين. اللهم ارزقنا الإخلاص في القول والعمل، واجعل صمتنا فكرًا، ونطقنا ذكرًا، وعملنا بصيرة. اللهم آتِ نفوسنا تقواها، وزكِّها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها.

 

وصلِّ اللهم وسلِّم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

روابط ذات صلة:

الدعوة الإلكترونية بين التأثير والجدل

كيف أوازن بين حفظ اللسان والمشاركة في أحاديث المجالس؟

الرابط المختصر :