الإستشارة - المستشار : د. رجب أبو مليح محمد
- القسم : العبادات
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
64 - رقم الاستشارة : 4929
01/06/2026
أجريت عملية جراحية واضطر الأطباء لوضع قسطرة بولية لي لا يمكن نزعها، والبول يخرج مني باستمرار، فكيف أتوضأ وأصلي وأنا في هذه الحالة؟
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده،
وبعد:
فأهلاً
وسهلاً ومرحبًا بكم أخي العزيز، فإن الشريعة الإسلامية مبنية على اليسر ورفع الحرج
عن المكلفين، وخاصة في أحوال المرض والعلل. ومسألة من وُضعت له قسطرة بولية ينزل
منها البول باستمرار دون إرادة منه، تندرج فقهيًّا تحت باب "سلس البول"
وأصحاب الأعذار الدائمة. وقد وضع الفقهاء لهذه الحالات أحكامًا استثنائية تضمن
للمريض أداء عبادته بيسر وطمأنينة دون مشقة أو عنت، مصداقًا لقوله تعالى: {وَمَا
جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ}.
اختصارًا: حكم
طهارتك وصلاتك وأنت تضع القسطرة البولية والبول يخرج منك باستمرار يتلخص في
الخطوات التالية:
1. دخول الوقت: لا تتوضأ للصلاة المفروضة إلا بعد دخول وقتها، أي
بعد الأذان.
2. الاستنجاء والتحفظ: قبل الوضوء، قم بغسل موضع الفرج إن لم يكن في ذلك
ضرر طبي، واحرص على أن يكون كيس جمع البول مفرغًا ومربوطًا بشكل يمنع ارتداد البول
أو تسربه إلى الثياب، ولا يضرك ما ينزل في الكيس بعد ذلك.
3. الوضوء: توضأ وضوءك الكامل للصلاة بعد دخول الوقت، وانوِ به
"استباحة الصلاة" وليس رفع الحدث.
4. الصلاة: صلِّ الفريضة مباشرة بعد الوضوء، ولك أن تصلي بهذا الوضوء
الفريضة وما شئت من النوافل وقراءة القرآن، حتى يخرج وقت هذه الصلاة. فإذا دخل وقت
الصلاة التالية، بطل الوضوء السابق وتوجب عليك إعادته.
5. نجاسة الكيس: كيس البول المتصل بك معفو عنه أثناء الصلاة للضرورة
والمشقة؛ لأنه صار كالجزء المتصل ببدنك للحاجة الطبية، فلا يجب عليك نزعه أو غسله
من الداخل.
القواعد
الفقهية الحاكمة:
• قاعدة: "المشقة تجلب التيسير": وهي
أصل في رخص المرضى، حيث خُفف عنك شرط الطهارة المستمرة نظرًا للمشقة اللاحقة بك.
•
قاعدة: "إذا ضاق الأمر اتسع": فلما ضاق عليك
حفظ الطهارة من الحدث المستمر، اتسع الحكم الفقهي ليعفو عما يخرج منك.
•
قاعدة: "الضرورات تبيح المحظورات": حمل كيس البول
النجس في الصلاة محظور في الأصل، لكنه أبيح هنا للضرورة العلاجية.
• قاعدة: "ما جعل عليكم في الدين من حرج": وهي
مستند لإسقاط إعادة الصلوات أو اشتراط انقطاع الحدث الدائم.
آراء
العلماء قديمًا وحديثًا:
1.
مذهب جمهور الفقهاء الشافعية، والحنابلة، والحنفية:
يرى
الجمهور أن صاحب العذر الدائم كصاحب القسطرة يتوضأ لكل صلاة بعد دخول
وقتها، ويبطل وضوؤه بخروج الوقت.
جاء
في كتاب "المجموع شرح المهذب" للنووي 2/ 540: "المستحاضة ومن به
سلس البول أو المذي... حكمهم حكم المستحاضة؛ فيجب غسل النجاسة والعصب، والوضوء لكل
فرض، وأن يكون الوضوء بعد دخول الوقت".
وجاء
في كتاب "كشاف القناع عن متن الإقناع" للبهوتي 1/ 216: "ويغسل مؤخر
سيلان، ويعصبه، ويتوضأ دائم الحدث كالمستحاضة، ومن به سلس بول... لكل صلاة مكتوبة
بعد دخول وقتها لحديث فاطمة بنت أبي حبيش... ويصلي به ما شاء من نوافل".
مذهب
المالكية:
يرى
المالكية أن من يلازمه الحدث طوال الوقت أو جلّه، لا يجب عليه الوضوء لكل
صلاة، بل يستحب له ذلك فقط، ولا ينتقض وضوؤه بالخروج المستمر للبول، تيسيرًا
عليه وتخفيفًا.
جاء
في كتاب "الشرح الصغير على أقرب المسالك" للدردير 1/ 120: "وعُفي
عما يعسر كسلس بول أو غائط أو ريح أو مذي... إن لازم كل يوم ولو مرة، فلا ينقض
الوضوء، وندب الوضوء منه إن لم يلازم ملازمة مستغرقة للوقت".
آراء
العلماء ومجامع الفقه الحديثة:
اتفق
العلماء المعاصرون على عفو الشريعة عن حمل كيس البول المتصل بالقسطرة أثناء
الصلاة، واعتبروه ملحقًا بالنجاسة الداخلية في الجوف للضرورة الطبية.
سُئلت
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بالملكة العربية السعودية الفتوى رقم
18837: عن مريض يحمل كيس البول باستمرار، فأجابت: "هذا المريض وأشباهه ممن
لديهم سلس بول مستمر، يجوز لهم الصلاة بحالهم تلك، بعد أن يتوضؤوا لكل صلاة بعد
دخول وقتها، ويتحفظوا بما يمنع انتشار البول، ولا يضرهم ما خرج بعد ذلك، وما يجمع
في الكيس من البول معفو عنه بالنسبة للصلاة؛ لأنه متصل بالداخل كالقولون".
وبالتالي
أخي الكريم، يعود الحكم الصحيح إلى حالتك، فالمريض الذي يشق عليه الوضوء لكل صلاة،
له أن يأخذ بمذهب المالكية، ومن لا يشق عليه يتوضأ لكل صلاة. والله تعالى
أعلى وأعلم.
روابط
ذات صلة: