ابني يهرب من التفوق.. ما السبب؟!

Consultation Image

الإستشارة
  • المستشار : د. أميمة السيد
  • القسم : المراهقون
  • التقييم :
  • عدد المشاهدات : eye 4
  • رقم الاستشارة : 6010
30/09/2026

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

أنا أم لولد عمره ثلاثة عشر عامًا، وهو ابني الأكبر، ومنذ طفولته كان من أكثر الأطفال اجتهادًا والتزامًا، حتى إن معلماته كنَّ يضربن به المثل في النظام والأدب.

كنا نفرح به كثيرًا، وكلما زارنا أحد كنا نقول له: "احكِ لهم عن الجائزة التي حصلت عليها." أو "قل لهم كم درجتك في الامتحان."

وكان الجميع يثني عليه ويقول له: "أنت مشروع طبيب أو مهندس كبير."

في البداية كان يبتسم، لكن منذ حوالي عام بدأ يتغير بصورة غريبة.

فصار يتأخر في تسليم الواجبات، ويترك بعض الأسئلة الفارغة رغم أنه يعرف إجابتها، ويقول للمعلم إنه نسي الكتاب، ثم أكتشف أنه لم ينسه أصلًا.

بل إنه في إحدى المرات أخفى شهادة التفوق داخل حقيبته أسبوعًا كاملًا، ولم يخبرنا بها.

وعندما سألته: "لماذا؟"

قال لي جملة لم أفهمها:

"لو بقيت الأول، الناس هتفضل مستنية مني أكون الأول كل مرة... وأنا تعبت."

ثم بكى وقال:

"أنا بقيت بخاف أغلط... ولو غلطت مرة، هتخيبوا أملكم فيَّ."

منذ ذلك اليوم وأنا أشعر أن ابني لا يهرب من الدراسة... بل يهرب من الصورة التي رسمناها له.

فهل هذا صحيح؟ وكيف أصلح ما أفسدناه دون قصد؟

 

الإجابة 30/09/2026

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، أختي الكريمة..

 

لقد تأثرت كثيرًا برسالة ابنك أكثر من تأثري بسلوكه.

 

فهو لم يقل: "أنا أكره النجاح".


ولم يقل: "أنا لا أحب الدراسة".

 

بل قال جملة تختصر ألمه كله: "أنا تعبت".

 

وهذه الكلمة تستحق أن نتوقف عندها طويلًا.

 

أولًا: ليس كل طفل متفوق سعيدًا بتفوقه..

 

هناك أطفال ينجحون لأنهم يحبون العلم.

 

وهناك أطفال ينجحون لأنهم أصبحوا يشعرون أن حب الناس لهم مرتبط باستمرار نجاحهم، ومع مرور الوقت يتحول النجاح من متعة.. إلى عبء.

 

وفي علم النفس يسمى ذلك: Performance Pressure ضغط الأداء، أي أن الطفل يشعر أنه يعيش تحت اختبار دائم، وأن أي خطأ قد يهدم الصورة المثالية التي رسمها الجميع عنه.

 

ثانيًا: لماذا بدأ يفتعل الأخطاء؟

 

قد يبدو الأمر غريبًا، لكنه يحدث بالفعل.

 

بعض الأبناء عندما يعجزون عن تحمل الضغط، يحاولون كسر الصورة المثالية بأنفسهم قبل أن تنكسر رغمًا عنهم.

 

وكأن عقله يقول: "إذا اعتاد الناس أن يروني أقل من الكامل، فلن أخاف من خيبة أملهم". ويُعرف هذا السلوك باسم: Self-Handicapping أو إعاقة الذات، أي أن الإنسان يضع بنفسه عوائق أمام نجاحه، حتى إذا انخفض مستواه، يجد سببًا يحتمي به.

 

ثالثًا: انتبهوا للمديح المستمر..

 

الثناء جميل، لكنه إذا ركز دائمًا على الإنجاز فقط، فقد يفهم الطفل رسالة غير مقصودة مفادها: "قيمتي تساوي درجاتي".

 

بينما الأصل أن يشعر بمعنى: "أنا محبوب حتى عندما أخطئ، ومطلوب مني أن أجتهد، لا أن أكون كاملًا". وهذا ما يدعمه مفهوم "التقبل غير المشروط".

 

رابعًا: لا تجعلوا كل جلسة عائلية معرضًا لإنجازاته..

 

من الجميل أن نفتخر بأبنائنا، لكن ليس من الجميل أن يصبح الطفل مطالبًا في كل مناسبة بإثبات تميزه. فالطفل يحتاج أحيانًا أن يكون مجرد طفل، يضحك، ويخطئ، ويتعلم، دون أن يشعر أنه يحمل لقب "المتفوق" طوال الوقت.

 

خامسًا: علموه أن الخطأ لا يسقط مكانته..

 

قال الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾، تأملي قوله: "ما استطعتم"، فالله سبحانه وتعالى يعلم أن الإنسان يجتهد بحسب طاقته، ولم يكلفه بالكمال.

 

وقال رسول الله ﷺ: "سددوا وقاربوا..."، أي اطلبوا الصواب، وإن لم تبلغوا الكمال، فقاربوه، ولا تيأسوا.

 

سادسًا: أعيدوا تعريف النجاح داخل الأسرة..

 

قولوا له:

 

نحن نفرح باجتهادك أكثر من درجتك.

 

أخطاؤك لا تقلل محبتنا لك.

 

لا نريد منك أن تكون الأول دائمًا، بل أن تبذل أفضل ما تستطيع.

 

هذه الرسائل تخفف بداخله من قلق الأداء، وتعيد إليه الشعور بالأمان.

 

* وإليكم أيضًا خطة عملية للمساعدة:

 

- امتنعوا فترة عن إعلان درجاته أمام الأقارب.

 

- امدحوا أخلاقه وصفاته الإنسانية كما تمدحون تفوقه.

 

- اسمحوا له بخوض أنشطة لا يشترط فيها أن يكون الأول.

 

- إذا أخطأ، ناقشوا الخطأ بهدوء دون ربطه بقيمته.

 

- خصصوا جلسة أسبوعية لا يُذكر فيها الدراسة إطلاقًا، بل تكون للحديث والمرح فقط.

 

- وأخيرًا.. لا تغفلوا الرقية الشرعية والدعاء له، فقد يكون حُسِد، فالعين حق، أعاذنا الله وإياكم منها.

 

همسة أخيرة:

 

أيتها الأم الكريمة، احرصي أن يعود ابنك إلى البيت وهو يشعر أن هذا هو المكان الوحيد الذي لا يحتاج فيه إلى ارتداء عباءة "المتفوق" طوال الوقت.

 

اجعلي بيتكم وطنًا يُسمح فيه بالخطأ، ويُكافأ فيه الاجتهاد، ويُحتضن فيه التعب قبل النجاح.

فالأبناء لا ينهارون دائمًا من كثرة الفشل.. بل قد ينهار بعضهم من ثقل الصورة المثالية التي يخافون أن تسقط.

 

كونوا له الحضن الذي يقول له كل يوم: "نحن نحبك لأنك ابننا.. وليس لأنك الأول".

 

روابط ذات صلة:

ابنتي ترفض النجاح!

أخفي نجاحي عن أصدقائي!

يتعمد إخفاء نجاحاته عن الجميع!

التعليقات

الرابط المختصر :