إذا سافرت الأم الحاضنة فمن أولى بحضانة الأبناء؟

Consultation Image

الإستشارة 09/06/2026

أنا مطلقة ولي حق الحضانة، واضطررت للانتقال لمدينة بعيدة جداً عن والدهم بسبب وظيفتي، فهل يسقط حقي في الحضانة ويحق للأب أخذ الأطفال مني بسبب بُعد المسافة؟

الإجابة 09/06/2026

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد:

 

فمرحبًا بك أختي الكريمة، ولا بد لك أن تفهمي حقوقكِ وحقوق أطفالكِ في ظل ظروف العمل والانتقال؛ لأن الشريعة توازن دائمًا بين حق الأم في الرعاية وحق الأب في الإشراف والتربية ورؤية أبنائه؛ فالحضانة في الإسلام شُرعت لحماية الطفل، وتوفير الرعاية البدنية والنفسية والتربوية له في مرحلة لا يستقل فيها بشؤونه. والأم هي أولى الناس بالحضانة لوفور شفقتها وصبرها. ومع ذلك، فإن السفر والانتقال لمسافة بعيدة يُحدث تعارضًا بين حق الأم في الحضانة وحق الأب في الولاية والإشراف والتعليم ورؤية أولاده؛ لذا وضع الفقهاء ضوابط صارمة للسفر بالابن خلال فترة الحضانة، تدور كلها حول مدار واحد، أين تكمن مصلحة الطفل؟

 

اختصارًا: الأصل في الفقه الإسلامي أن انتقال الحاضنة الأم لمسافة بعيدة تُعجِز الأب عن الإشراف على أولاده ورؤيتهم يمنح الأب الحق في المطالبة بنقل الحضانة إليه، ولا تسقط الحضانة تلقائيًّا بمجرد انتقالكِ. فالقضاء الشرعي الحديث لا ينزع المحضون من أمه لمجرد المسافة، بل يدرس القاضي ظروف الانتقال: فإذا كان انتقالكِ لوظيفة تؤمن للأطفال حياة كريمة واستقرارًا، وكانت البيئة الجديدة آمنة ومناسبة لتعليمهم، وكان بالإمكان تعويض الأب عن الرؤية بزيارات مطولة في الإجازات ووسائل اتصال مستمرة، فإن القاضي قد يقرر بقاء الحضانة معكِ تغليبًا لمصلحة الأطفال النفسية في البقاء مع أمهم. والقرار النهائي هنا يعود للقاضي بناءً على تقدير المصلحة، وليس حكمًا آليًّا بالإسقاط.

 

آراء العلماء قديمًا وحديثًا:

 

اختلفت أقوال الفقهاء قديمًا في تحديد المسافة ومقصد السفر، وتطورت حديثًا لتواكب وسائل المواصلات.

 

1. مذهب الحنفية والحنابلة المنع لحق الأب:

 

يرى الحنفية والحنابلة أن السفر الطويل الذي تنقطع فيه الرؤية والإشراف يسقط حضانة الأم إذا أرادت الاستيطان في البلد الجديد، ويكون الأب أولى بالحضانة حتى لا يُحرم من تربية أولاده، جاء في كشاف القناع عن متن الإقناع للبهوتي: «وَإِنْ سَافَرَ أَحَدُ أَبَوَيْهِ أَيْ الْمَحْضُونِ لِيُقِيمَ بِبَلَدٍ آخَرَ غَيْرِ بَلَدِهِ نَازِحًا أَيْ بَعِيدًا... فَأَبٌ أَوْلَى بِالْحَضَانَةِ سَوَاءٌ كَانَ هُوَ الْمُسَافِرَ أَوْ كَانَتْ الْأُمُّ هِيَ الْمُسَافِرَةَ؛ لِأَنَّ الْأَبَ هُوَ الَّذِي يَقُومُ بِتَأْدِيبِهِ وَحِفْظِهِ وَتَعْلِيمِهِ، وَإِذَا بَقِيَ مَعَ الْمُقِيمِ مِنْهُمَا فَاتَ مَقْصُودُ السَّفَرِ، وَإِنْ بَقِيَ مَعَ الْمُسَافِرِ لَمْ يُمْكِنْ الْأَبَ تَعَاهُدُهُ».

 

2. مذهب الشافعية والمالكية التفصيل وحق المقيم:

 

الشافعية يرون أن الحضانة تكون للمقيم من الأبوين سواء كانت الأم أو الأب، منعًا لضرر السفر على الطفل. أما المالكية فربطوا الإسقاط بمسافة البُعد وهي مسافة القصر - نحو 80 كم فأكثر، جاء في منهاج الطالبين للإمام النووي: «إِذَا أَرَادَ أَحَدُ الْأَبَوَيْنِ سَفَرَ نُقْلَةٍ وَإِسْكَانٍ إلَى بَلَدٍ... فَالْأَبُ أَوْلَى بِالْوَلَدِ سَوَاءٌ كَانَ هُوَ الْمُسَافِرَ أَوِ الْمُقِيمَ».

 

3. رأي المحققين من العلماء:

 

يرى المحققون كالإمام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم، وهو ما أخذت به القوانين والمحاكم الشرعية معاصرًا، أن الحضانة لا تسقط بالسفر لمجرد السفر، وإنما تُدرس المصلحة. نظرًا لأن وسائل المواصلات الحديثة السيارات السريعة، القطارات، الطائرات ووسائل الاتصال ألغت مشقة المسافات السابقة، يقول الإمام ابن القيم في زاد المعاد في هدي خير العباد: «والقوانين الفقهية في هذا الباب لـمّا قصرت عن الإحاطة بمراد الرسول عجزت عن جلب المصالح وحمايتها... والصحيح أن الحضانة تابعة لمصلحة المحضون، فأينما كانت مصلحته وصيانته كانت الحضانة هناك».

 

والقضاء الشرعي اليوم ينص على أن: "سفر الحاضنة بالمحضون لغرض العمل أو الإقامة لا يسقط حضانتها إلا إذا تبين للمحكمة أن هذا السفر يضر بمصلحة المحضون النفسية أو التعليمية أو الجسدية".

 

ونصيحتي لكِ أختنا الكريمة، حاولي أولاً التفاهم مع طليقكِ وديًّا، وتقديم ضمانات له تضمن حقه في رؤية أولاده مثل: تمكينه من محادثتهم هاتفيًّا يوميًّا، والتزامكِ بإرسالهم إليه في الإجازات المدرسية الطويلة كإجازة نهاية العام ونصف العام، أو تحمل جزء من نفقات سفرهم لرؤيته. إذا تعنت الأب ورفع دعوى لإسقاط الحضانة، قدمي للمحكمة ما يثبت استقرار وضعكِ الوظيفي، ومناسبته لتربية الأطفال، مع إبداء مرونتكِ التامة في تنظيم "حق الرؤية والزيارة" للأب، والقاضي سيفصل بما يراه أصلح لأبنائكِ. والله تعالى أعلى وأعلم.

 

روابط ذات صلة:

حضانة الطفل بعد وفاة أمه

أصبحت حضانتهم معي بعد أمهم.. كيف أتعامل مع أبنائي؟!

الرابط المختصر :