الإستشارة - المستشار : د. رجب أبو مليح محمد
- القسم : فقه الأسرة
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
69 - رقم الاستشارة : 4538
13/04/2026
كيف نجمع بين وصية النبي ﷺ: "استوصوا بالنساء خيرًا" وقوله ﷺ: "لو أحسنت إلى إحداهن الدهر كله ثم رأت منك شيئًا قالت ما رأيت منك خيرًا قط" مع أن بعض الرجال يستخدمون هذه العبارة في كل خلاف، لتوبيخ المرأة أو اتهامها بالجحود، بل وربما لإهانتها وكسرها نفسيًّا؟ فهل هذا الفهم صحيح؟ وهل هذا الوصف يشمل جميع النساء؟ وهل يجوز استخدام هذا الحديث في الخصومات الزوجية؟
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد:
فأهلاً بك يا أخي. هذا التساؤل يلمس قضية اجتماعية وتربوية غاية في الأهمية، حيث يُساء أحيانًا استخدام النصوص النبوية في غير موضعها، مما يؤدي إلى نتائج عكسية تخالف مقاصد الشريعة في المودة والرحمة.
اختصارًا: لا تعارض بين الحديثين؛ فالأول (استوصوا بالنساء خيرًا) هو "أمر تشريعي" للرجال بكيفية التعامل، والثاني (ما رأيت منك خيرًا قط) هو "إخبار بواقع" لبعض النساء وتنبيه لهن من مغبة كفران العشير. ولا يشمل هذا الوصف جميع النساء قطعًا، بل هو تحذير من سلكت هذا المسلك. أما استخدام الحديث لتوبيخ المرأة أو إهانتها في الخصومات، فهو مسلك خاطئ ومحرم شرعًا؛ لأن النبي ﷺ ساقه في مقام الوعظ والتعليم للنساء، لا في مقام التعيير والكسر من الرجال.
القواعد الفقهية والتربوية الحاكمة:
"النصوص يُفسر بعضها بعضًا": فلا يجوز أخذ حديث التحذير من الجحود وترك أحاديث الإكرام والرحمة.
"الأمر للوجوب والخبر للإرشاد": الوصية بالخير أمر واجب على الرجل، والحديث الآخر خبر يُقصد به إرشاد المرأة لتقويم خلقها.
"الضرر يزال": استخدام الدين وسيلة لكسر النفس أو الإهانة هو ضرر محرم، والإسلام جاء لإزالة الأذى لا لتبريره.
توضيح معاني الأحاديث وكيفية الجمع بينها:
بين الأمر والإخبار: النبي ﷺ أمر الرجل بالصبر والإحسان (الوصية بالنساء)، وأخبره بطبيعتهن النفسية في وقت الغضب (سرعة إنكار الإحسان) لكي يصبر عليها ولا يعاملها بالمثل. فكأن الحديث الثاني "مُعين" للرجل على تنفيذ الوصية الأولى؛ فإذا جحدت المعروف وقت الغضب، تذكّر قول النبي ﷺ فلم ينفعل ولم يكسرها، بل احتواها لعلمه بطبيعة ثورة مشاعرها.
هل الوصف عام؟: قطعًا لا. فالقرآن والسنة مليئان بالثناء على النساء الصالحات القانتات. والحديث جاء بصيغة "إحداهن" والتحذير من فعل معين، مما يعني أن هناك نساءً شكرن ويشكرن، وعلى رأسهن خديجة رضي الله عنها التي حفظ النبي ﷺ ودّها حتى بعد وفاتها بلقب "إنها كانت وكانت".
حكم استخدام الحديث في الخصومات الزوجية:
استخدام الرجل لهذا الحديث لتوبيخ زوجته في كل خلاف هو انحراف عن الهدي النبوي لعدة أسباب:
مخالفة مقام النص: النبي ﷺ خاطب النساء بهذا الحديث في "خطبة عيد" لوعظهن وتذكيرهن بالصدقة، ولم يقل للرجال: "قولوا لزوجاتكم ذلك إذا غضبن".
منافاة الإحسان: كيف يستوصي بها خيرًا من يذكرها بنقصها وقت الخلاف؟ الإحسان يقتضي الستر والتجاوز لا التعيير بالنصوص.
الظلم: قد تكون المرأة في الخلاف "صاحبة حق" والزوج هو المخطئ، فاستخدام الحديث هنا يصبح "كلمة حق أُريد بها باطل" لإسكاتها عن المطالبة بحقها.
وصايا عملية:
للرجل: تذكر أن النبي ﷺ قال: "ما أكرمهن إلا كريم، وما أهانهن إلا لئيم". فإذا رأيت منها غضباً أو جحوداً عابراً، فكن "الكريم" الذي يتغافل، واعلم أن هذا الحديث قيل لك لتفهم طبيعتها النفسية وتصبر، لا لتستخدمه سلاحًا ضدها.
للمرأة: حديث "كفران العشير" هو مرآة لكِ لكي تحذري من غلبة المشاعر وقت الغضب على لسانكِ، فالمؤمنة تشكر المعروف وتحفظ الود، وتذكر الخير عند النزاع.
في الخصومة: يجب فصل "المشكلة الحالية" عن "تقييم الشخصية". لا يحق للرجل اتهام زوجته بالجحود الكلي لمجرد أنها اعترضت على تصرف معين، ولا يحق للمرأة نسيان فضل زوجها لمجرد تقصيره في موقف.
خلاصة القول: الوصية بالنساء "منهج حياة"، وحديث كفران العشير "تنبيه تربوي للمرأة ودرس في الصبر للرجل"، ولا يجوز أبداً جعل الدين وسيلة للأذى النفسي أو الإهانة. والله تعالى أعلى وأعلم.
روابط ذات صلة: