زواج المسيار.. حقيقته وحكمه وضوابطه

Consultation Image

الإستشارة 15/11/2025

سؤالي للجهة الشرعية المختصّة: أنا أعيش في مجتمع أصبحت فيه ظاهرة زواج المسيار تُستغَل استغلالًا مؤلمًا من قِبَل بعض الرجال، حتى تحوّل من رخصة شرعية إلى بابٍ لظلم النساء وإيقاعهنّ في محاذير قانونية واجتماعية شديدة الخطورة.

تعرّضت إحدى الأخوات لمأساة كبيرة؛ فقد أقنعها رجل على مدار سنتين بأنه يريد الزواج بها سرًّا مراعاةً لمرض زوجته بالسرطان، ولأجل عدم إيذاء مشاعر أسرته وأولادها. واستدلّ لها بفتاوى تقول بجواز هذا النوع من الزواج، ووعدها بأن الأمر سيكون "زواجًا شرعيًّا" بحضور شاهدين فقط ومن دون ولي.

لكن في هذا البلد، إذا تم توقيف امرأة مع رجل متزوج زواج مسيار أو عرفي بلا ولي ولا توثيق، تُسجَن بقضية زنا تلقائيًّا لأنه لا يُعتَرف بهذا العقد قانونًا. وقد حدث هذا بالفعل؛ فسُجنت الأخت سنتين، وفُصلت من عملها، وتبرأت منها أسرتها، ومات والداها وهما غاضبان عليها، وتحمّلت ظلمًا اجتماعيًّا ونفسيًّا قاسيًا. ثم تخلّى عنها الزوج المدَّعى، بحجة الخوف على أسرته الأولى.

سؤالي الفقهي: إذا كان زواج المسيار في أصله حلالًا كما تقول بعض الفتاوى، فهل تُراعى في جوازه ظروف المجتمع وقوانينه وأعرافه ونتائجه المدمّرة على المرأة؟ وهل يُعدّ الزواج بلا ولي وبلا توثيق شرعي وقانوني زواجًا صحيحًا أصلًا؟ وكيف يمكن لامرأة أن تُبرّئ نفسها أمام القانون والمجتمع إذا تم إخفاء الزواج ولم يُعترف به ثم تركها الزوج؟ وهل يجوز شرعًا إصدار فتوى بالحلّ دون التنبيه إلى خطورة الآثار المتوقعة على سمعة المرأة وأهلها ووضعها القانوني؟

أحتاج إلى بيانٍ فقهي واضح يراعي الواقع، والعرف، والقوانين المُلزِمة، وآثار هذه الممارسات على النساء، وهل يصح شرعًا الاعتماد على فتوى عامة في مجتمع لا يعترف قانونيًا بهذا النوع من العقود، مما يجعل المرأة وحدها تتحمل العواقب؟

أرجو الإجابة بتفصيل فقهي يرفع الإشكال ويبين الحكم الصحيح في مثل هذه الصور.

الإجابة 15/11/2025

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه، وبعد:

 

فالمشكلة ليست في الفتوى –أخي السائل الكريم – ولكن المشكلة في أننا نأخذ الفتوى بغير ضوابطها، زواج المسيار أجازه جمهور الفقهاء بشروطه وضوابطه، ومن هذه الشروط توثيق هذا العقد حسب القانون المعمول به في البلد الذي يعيش في الزوجان حتى لا تضيع الحقوق، والفرق بينه وبين غيره من الزواج أن هذا الزواج تتنازل فيه المرأة عن بعض حقوقها مثل حق المبيت عندها أو النفقة عليها أو غير ذلك.

 

الخلط بينه وبين الزواج السري

 

والناس يخلطون بينه وبين ما يسمى بالزواج السري الذي لا يطّلع عليه إلا الشهود فقط دون توثيق، هذا النكاح وإن كان جائزًا في الماضي لكنهم كان يكتفون بالإشهار ومعرفة كثير من الناس بأمر هذا الزواج، ولم تكن هناك تعقيدات لإثبات الهوية والنسب كما هو الحال الآن.

 

فلو أخذنا بالرأي الذي يبيح فعلينا أن نلتزم بالضوابط، أو يكون الرأي الذي يمنع من هذا الزواج هو الأولى إذا ترتب عليه مفاسد لا تحتمل كما هو الحال في هذا السؤال.

 

رأي الحاكم المسلم يرفع الخلاف

 

أمر آخر نراه في غاية الأهمية أن رأي الحاكم المسلم يرفع الخلاف، فإن رأى الحاكم أن هذا النكاح غير معترف به قانونًا فعلينا أن نلتزم هذا الرأي حتى لا تترتب على المخالفة مفاسد لا تحتمل ودرء المفاسد مقدم على جلب المصالح.

 

عقود الزواج المستحدثة

 

قرار المجمع الفقه الإسلامي (التابع لرابطة العالم الإسلامي)

 

قرر المجمع الفقهي الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي، في دورته الثامنة عشرة بتاريخ 10/4/2006م الموافق 12/3/1427هـ:

 

"يؤكد المجمع أن عقود الزواج المستحدثة وإن اختلفت أسماؤها، وأوصافها، وصورها، لا بد أن تخضع لقواعد الشريعة المقررة وضوابطها، من توافر الأركان، والشروط، وانتفاء الموانع.

 

وقد أحدث الناس في عصرنا الحاضر بعض تلك العقود المبينة أحكامها فيما يأتي:

 

1. إبرام عقد زواج تتنازل فيه المرأة عن السكن والنفقة والقَسْم أو بعض منها، وترضى بأن يأتي الرجل إلى دارها في أي وقت شاء من ليل أو نهار.

 

ويتناول ذلك أيضًا: إبرام عقد زواج على أن تظل الفتاة في بيت أهلها، ثم يلتقيان متى رغبا في بيت أهلها أو في أي مكان آخر، حيث لا يتوافر سكن لهما ولا نفقة. هذان العقدان وأمثالهما صحيحان إذا توافرت فيهما أركان الزواج وشروطه وخلوه من الموانع، ولكن ذلك خلاف الأولى.

 

2. الزواج المؤقت بالإنجاب وهو: عقد مكتمل الأركان والشروط إلا أن أحد العاقدين يشترط في العقد أنه إذا أنجبت المرأة فلا نكاح بينهما، أو أن يطلقها. وهذا الزواج فاسد لوجود معنى المتعة فيه؛ لأن التوقيت بمدة معلومة كشهر أو مجهولة كالإنجاب يصيره متعة، ونكاح المتعة مجمع على تحريمه.

 

3. الزواج بنية الطلاق وهو: زواج توافرت فيه أركان النكاح وشروطه وأضمر الزوج في نفسه طلاق المرأة بعد مدة معلومة كعشرة أيام، أو مجهولة، كتعليق الزواج على إتمام دراسته أو تحقيق الغرض الذي قدم من أجله.

 

وهذا النوع من النكاح على الرغم من أن جماعة من العلماء أجازوه، فإن المجمع يرى منعه، لاشتماله على الغش والتدليس، إذ لو علمت المرأة أو وليها بذلك لم يقبلا هذا العقد. ولأنه يؤدي إلى مفاسد عظيمة وأضرار جسيمة تسيء إلى سمعة المسلمين".

 

والله تعالى أعلى وأعلم

 

روابط ذات صلة:

كلمة هادئة حول زواج المسيار (1-2) *

المسيار.. وتحقيق أهداف الزواج الشرعي (2-2) *

الزواج في واقع العالم الإسلامي.. بين العُرف والشرع

الرابط المختصر :