زوجة المفقود متى يحق لها الميراث والزواج بغيره؟

Consultation Image

الإستشارة 09/06/2026

فُقد زوجي في حادث ولم يُعثر على جثته حتى الآن، فمتى يحق لي شرعاً أن أعتبر نفسي أرملة وأبدأ العدة، ومتى يمكننا تقسيم ميراثه؟

الإجابة 09/06/2026

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد:

 

فمرحبًا بك أختي الكريمة، عظم الله أجركِ، وجبر مصابكِ، وألهمكِ الصبر والسلوان في هذا الابتلاء الصعب. غياب الزوج دون معرفة مصيره من المسائل الشائكة التي تناولها الفقه الإسلامي بكثير من العناية والرحمة، حرصًا على عدم الإضرار بالزوجة وفي نفس الوقت صيانةً لحقوق وممتلكات الزوج الغائب الذي يُسمى في الفقه "المفقود".

 

جاء الإسلام لحفظ الضروريات الخمس، ومنها حفظ النسل وحفظ المال. والشخص الذي ينقطع خبره ولا تُعلم حياته ولا مماته يُعرف في الفقه بـ "المفقود". ولما كان الأصل هو استصحاب أصل الحياة، فإن الشريعة لم تعجل بالحكم بموته بمجرد غيابه، بل وضعت ضوابط دقيقة تراعي نوع الغياب والظروف المحيطة به، لحماية حق الزوجة في الانتقال بحياتها، وحماية حقوق الورثة في الميراث، دون تفريط في حق المفقود نفسه إن كان حيًّا.

 

اختصارًا: لا تبدأ العدة ولا تعتبرين نفسكِ أرملة بمجرد وقوع الحادث واختفاء الجثة. بل يجب أولاً رفع الأمر إلى القاضي أو المحكمة الشرعية. ليقوم بالتحري والبحث، فإذا غلب على ظنه هلاكه خاصة أن غيابه كان في حادث هلاك ظاهري، يصدر القاضي حكمًا قضائيًّا بوفاته. ومن تاريخ صدور هذا الحكم تبدئين عدة الوفاة أربعة أشهر وعشرًا، ولا يجوز تقسيم تركته أو التصرف فيها طوال فترة البحث والانتظار. ويتم تقسيم الميراث فور صدور حكم القاضي بموته، فتُوزع التركة على ورثته الأحياء، ولا يرثه من مات من أقاربه خلال فترة اختفائه وقبل صدور الحكم.

 

آراء العلماء قديمًا وحديثًا:

 

قسم الفقهاء المفقود إلى حالتين، الأولى: مفقود يغلب على الظن نجاته، والثانية: مفقود يغلب على الظن وفاته، وحالة زوجكِ -نسأل الله له الرحمة- تندرج تحت ما يسمى "الغيبة في حال يغلب عليها الهلاك" كحوادث الطائرات، الغرق، الحروب، أو انهيار المباني. وإليكِ تفصيل المذاهب:

 

1. مذهب الإمام مالك والإمام أحمد وهو المفتى به معاصرًا:

 

يرى المالكية والحنابلة أن المفقود في مهلكة لا يُنتظر به تمام العمر الطبيعي، بل يُنتظر مدة محددة للبحث والتحري، فإذا انقضت حكم القاضي بموته، فعند الحنابلة المدة أربع سنوات من تاريخ فقده إذا كان الغياب في مكان يغلب فيه الظن بموته، جاء في كشاف القناع عن متن الإقناع للبهوتي: «وَمَنْ فُقِدَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فِي ظَاهِرِهِ الْهَلَاكُ... تَرَبَّصَ أَيْ يَنْتَظِرُ مَالُهُ وَامْرَأَتُهُ أَرْبَعَ سِنِينَ مُنْذُ فُقِدَ... فَإِذَا انْقَضَتْ الْأَرْبَعُ سِنِينَ قَسَمَ الْقَاضِي مَالَهُ بَيْنَ وَرَثَتِهِ الْأَحْيَاءِ حِينَئِذٍ... وَتَعْتَدُّ امْرَأَتُهُ عِدَّةَ وَفَاةٍ حِينَئِذٍ».

 

أما المالكية فقد اختلفوا في المدة في حال المهلكة كالحرب، فبعضهم قال سنة وبعضهم فوّض الأمر لاجتهاد الحاكم للتأكد من الهلاك، جاء في الشرح الكبير للدردير: «وَمَفْقُودٌ بِأَرْضِ الْإِسْلَامِ فِي قِتَالِ بَيْنِ الْمُسْلِمِينَ وَالْكُفَّارِ... فَالْمُخْتَارُ فِيهِ لِمَالِكٍ أَنَّ زَوْجَتَهُ تَعْتَدُّ بَعْدَ انْفِضَاضِ الْحَرْبِ وَالْفَرَاغِ مِنْ التَّفْتِيشِ عَنْ الْقَتْلَى وَالْأَسْرَى».

 

2. مذهب الإمام أبي حنيفة والإمام الشافعي:

 

يرى الحنفية والشافعية أن المفقود يُنتظر به حتى يموت أقرانه من أهل جيله، أو حتى يبلغ من العمر سنًا لا يعيش إليه عادة مثل 70 أو 80 أو 90 سنة، ولا يجوز للحاكم الحكم بموته قبل ذلك إلا بيقين، جاء في الهداية شرح بداية المبتدي للمرغيناني الحنفي: «وإذا فُقد الرجل... لم يقسم ماله بين ورثته، ولم تبن منه امرأته... حتى يصح موته أو تمر عليه مدة لا يعيش فيها مثله»، جاء في منهاج الطالبين للإمام النووي الشافعي: «وَالْمَفْقُودُ لَا يُورَثُ، وَلَا تُنْكَحُ زَوْجَتُهُ حَتَّى تَقُومَ بَيِّنَةٌ بِمَوْتِهِ، أَوْ بِمُضِيِّ مُدَّةٍ يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ أَنَّهُ لَا يَعِيشُ فَوْقَهَا».

 

الفقه المعاصر:

 

نظرًا لتغير الأزمان ووجود وسائل اتصال وبحث حديثة، ولأن الانتظار لعشرات السنين فيه إضرار بالغ بالمرأة والورثة، فقد أخذت المحاكم الشرعية في معظم الدول العربية والإسلامية بـ مذهب الحنابلة والمالكية، بل ورخصت في تقصير المدة في حوادث الهلاك الظاهرة كسقوط طائرة أو غرق سفينة إلى مدة تتراوح بين أربعة أشهر إلى سنة واحدة كحد أقصى للبحث، يُحكم بعدها بالوفاة فورًا.

 

قرار مجمع الفقه الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي: تفويض تحديد المدة للقاضي بما يراه محققًا للمصلحة، وأنه في أحوال الهلاك الظاهرة يكفي الانتظار مدة قصيرة للاستقصاء ثم يحكم بالوفاة. والله تعالى أعلى وأعلم.

 

روابط ذات صلة:

بين وفاء الأرملة ورغبتها بالزواج..مفاهيم مغلوطة

الرابط المختصر :