الإستشارة - المستشار : د. رجب أبو مليح محمد
- القسم : فقه الأسرة
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
20 - رقم الاستشارة : 5659
25/08/2026
أصيب زوجي بحادث تسبب له في شلل كامل وغيبوبة مستمرة منذ ثلاث سنوات، ونظراً لصغر سني وحاجتي لإعفاف نفسي وعدم قدرته على القيام بحقوقي، أفكر في رفع دعوى طلاق للضرر؛ فهل يحق للزوجة طلب الطلاق لمرض الزوج وغيبوبته الطويلة، أم يجب عليها الصبر والوفاء له؟
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده،
وبعد:
فأهلاً وسهلاً ومرحبًا بك أختي الكريمة، تتطرق
هذه الفتوى لنوازل أحوال الأسرة المعقدة التي تتشابك فيها أحكام الفقه الشرعي مع
الدوافع الإنسانية والأخلاقية، كمسألة طلب الزوجة للطلاق بسبب العنة الطارئة أو
المرض المستعصي أو الغيبوبة الطويلة للزوج. وتهدف الفتوى إلى بيان الحق الشرعي
المكفول للزوجة دفعًا للضرر عن نفسها، مع شرح أبعاد المسألة من الناحية الإنسانية
والأخلاقية، والتفريق بين حالات وعي الزوج وغيابه، وبيان كيفية التوفيق بين حق
المرأة الشرعي في العفاف وبين الوفاء الإنساني إذا كان الزوج بلا رعاية.
اختصارًا:
الحكم
الشرعي المجرد: يحق للزوجة شرعًا طلب الفسخ أو الطلاق للضرر إذا
أصيب الزوج بمرض يمنعه من الوطء والقيام بالحقوق الزوجية، أو عدم القدرة على
النفقة، كالشلل والعنة والغيبوبة الطويلة، دفعًا للضرر عن المرأة وحفاظًا على
عفافها؛ فالشرع لا يكلفها ما لا تطيق.
وتفصيلاً:
التفريق
بين الحالات:
المرض
مع بقاء الوعي: يثبت لها حق طلب الفسخ للعنة أو عدم الإنفاق أو
الضرر، لكن التواصل العاطفي والاستئناس بين الزوجين يظل قائمًا، وتستأمر الزوجة في
أمرها.
المرض
مع الغيبوبة الطويلة: وهنا قد يكون الأمر أسهل على
الطرفين، فالزوج لا يدري ما حوله، وقد انسد باب المعاشرة والرفقة الإنسانية
بالكلية، ويكون التفريق هنا للضرر التام وفوات مقاصد النكاح، ويكون الولي هو
النائب عن الزوج في الخصومة.
الحكم
الإنساني والتوفيق بينهما: لا شك أن الأصل الأخلاقي والعرف
المتبع في كثير من المجتمعات يشجع وأحيانًا يلزم المرأة بالصبر والوفاء، خاصة إذا
لم يكن للزوج من يرعاه سوى زوجته، ولكن مقاصد الشرع تقتضي ألا تُحبس المرأة على
وجه يلحق بها الضرر والفتنة؛ فإن اختارت المفارقة لعفاف نفسها فالطلاق حقها،
وينبغي ألا تلام عرفًا ولا شرعًا، ويمكنها -إن دعت الحاجة الإنسانية واستطاعت-
الاستمرار في رعايته كفعل إحسان ووفاء وبر خارج عقد الزوجية، أو ترتيب رعاية
ملائمة له عبر أهله أو مؤسسات الرعاية، أو خادم يرعاه إن كانت ظروفها المادية تسمح
بذلك.
مراعاة
تبادل الأدوار: لا مفر من أن يستحضر الناس المفارقة في هذا
الموقف بالتفكر في الموقف العكسي لو كانت الزوجة هي المريضة؛ لكن لأن الشرع جعل
للزوج مخرجًا بالزواج بأخرى مع بقاء المريضة في عصمته ورعايتها، وفي ظل عدم وجود
هذا الخيار للمرأة إذ لا يجوز لها الجمع بين زوجين فقد جعل الشرع لها مخرجًا في
المقابل وهو "حق الفسخ للضرر"، لتحقيق العدل والتوازن الشرعي، وينبغي
للمجتمع أن يفهم ذلك، وهو دور توعوي لازم وواجب على المفكرين وقادة الرأي.
وللأسف
فإن كثيرًا من المجتمعات قد ذهبت أبعد من هذا فألزمت المرأة المتوفى عنها زوجها
باسم الوفاء كذبًا وزورًا أن تبقى بلا زوج إلى آخر حياتها، وقد رأيت بأم عيني أن
لوم المرأة التي تزوجت بعد وفاة زوجها كان يقارب أو يزيد عن لوم المرأة التي
اقترفت الفاحشة، وهذا يفتح باب شر مستطير، فالمرأة قد تحدثها نفسها أن اقتراف
الفاحشة قد يبقى سرًّا إلى أمد طويل أما الزواج فمعلن من اليوم الأول، وخاتمة
الأسافي أن تتزوج المرأة سرًّا مخافة الفضيحة، فيصير المعروف منكرًا والمنكر معروفًا
ولا حول ولا قوة إلا بالله.
ويحتاج
الأمر إلى جرأة من النساء، وتلك هي الجرأة المحمودة، لأنها مضبوطة بضوابط الشرع،
فيكسرن محرمات العرف الفاسد الذي لا يقره الشرع، حتى يتقبل المجتمع تلك الممارسات
الشرعية، فقد تقبل من قبل ممارسات لا أصل لها في شرع الله فقط لأن ثلة من البشر
تجرأوا على كسرها، كالحجاب والاختلاط والخلاعة، بدلاً من أن يظن عوام الناس أن
العرف القائم هو جزء من الشريعة، فيتفلتون من الشريعة بالكلية، وكثيرًا ما نسمع من
المتحررات قضايا مثل تلك يتعللون بها في رفضهم للشريعة وأحكامها.
وقد
اتفق عامة الفقهاء على أن العيوب والمرض الطارئ الذي يمنع الاستمتاع ويسبب الضرر
يثبت للمرأة خيار الفسخ، واختلفوا في تفاصيل المدة وتنوع العيوب.
رأي
جمهور الفقهاء المالكية والشافعية والحنابلة في إثبات خيار الفسخ للزوجة للضرر:
يرون
إثبات خيار الفسخ للزوجة بكل عيب يمنع الوطء أو يمنع المعاشرة ويجلب الضرر كالعنة
والجنون والجمود (الشلل وما في حكمه) والمرض المستعصي، ودليلهم قوله تعالى:
{فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} [البقرة: 229]، والغيبوبة
والشلل التام ينافيان "الإمساك بمعروف".
ويرى
شيخ الإسلام ابن تيمية أن كل ما يتضرر به أحد الزوجين ولا يحصل معه مقصود النكاح
يجوز معه الفسخ، جاء في «مجموع الفتاوى» لابن تيمية 32/253: "وَكَذَلِكَ
فِرَاقُ الزَّوْجِ لِلْمَرَضِ الَّذِي يَمْنَعُ كَمَالَ الاِسْتِمْتَاعِ أَوْ
يُوجِبُ النَّفْرَةَ... فَالْمَرْأَةُ إِذَا لَمْ يَقْدِرْ زَوْجُهَا عَلَى
وَطْئِهَا أَوْ تَرَكَ نَفَقَتَهَا فَلَهَا الفَسْخُ، لِأَنَّ السَّكَنَ
وَالعَفَافَ هُمَا أَعْظَمُ مَقَاصِدِ النِّكَاحِ".
التوفيق
بين الحكم الشرعي والإنساني في الفقه المعاصر:
يرى
العلماء المعاصرون أن الشرع لا يلزم الزوجة بالتضحية المطلقة، حتى لو لحق بها
الحرج والدنس، ولكن يندب لها الإحسان، فإذا اختارت الطلاق لعدم قدرتها على الصبر،
فذلك حقها الشرعي ولا إثم عليها ولا حرج.
إذا
لم يكن للزوج أقارب أو من يرعاه من أهله، يُشرع إنسانيًّا وأخلاقيًّا للمرأة أو
القاضي ترتيب نفقته ورعايته عبر الجهات المختصة قبل التفريق، كما يمكن للمرأة بعد
طلاقها وزواجها برجل آخر أو بدونه أن تساهم في تفقد حاله على سبيل البر والوفاء
الإنساني إن استطاعت، دون أن يكون ذلك واجبًا يمنعها من ممارسة حقها في تملك
عصمتها.
ويجوز
في الجملة للزوجة أن تطلب الطلاق أو التفريق إذا ترتب على مرض الزوج ضرر معتبر لا
يمكن دفعه، وقد نص الفقهاء على صور متعددة لذلك، خاصة إذا كان المرض معديًا، أو
مانعًا من مقاصد الزواج، أو سببًا للأذى والمشقة الشديدة.
كما
قررت فتاوى دار الإفتاء المصرية أن جمهور الفقهاء يجيزون طلب التفريق بسبب العيوب
والأمراض المؤثرة، فقالت: «يجوز طلب التفريق بعيوب محددة، ويقول بهذا فقهاء مذاهب
الأئمة أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد»
ومن
صور الضرر التي ذكرها الفقهاء:
· المرض المعدي الذي يُخشى انتقاله.
· الجنون أو الاضطراب الشديد المستمر.
· العنة والعجز الجنسي المستديم.
· الإيذاء البدني أو النفسي الملازم للمرض.
· ترك النفقة بسبب المرض إذا أدى إلى إعسار شديد.
أما
إذا كان المرض النفسي أو العقلي يزيل الإدراك أو يختل معه الوعي، فإن مسائل الطلاق
والتصرفات الشرعية تحتاج إلى نظر القاضي وأهل الخبرة. وقد سئل ابن باز عن طلاق
المريض نفسيًّا فقال: «الطلاق فيه تفصيل ونظر ... تراجع المحكمة ... حتى ينظر
القاضي في ذلك».
وفي
المقابل، إذا كان المرض محتملًا ويمكن التعايش معه ولا يترتب عليه ضرر بالغ، أو
كانت الزوجة راضية بالحال، فالأصل بقاء النكاح والسعي في العلاج والإصلاح. كما أن
الشريعة لا تجيز طلب الطلاق لمجرد التضييق أو الإضرار بالزوج، وقد قال ابن تيمية
إن تعمد المرأة الضغط على الزوج لإجباره على الطلاق بغير حق «غير جائز» إذا كان
ممسكًا لها بالمعروف.
كذلك
نصت بعض المصادر على أن الإسلام جعل التفريق علاجًا عند تعذر استمرار الحياة
الزوجية مع الضرر، وأن للقاضي أن يحكم بالتطليق إذا ثبت الإيذاء والضرر.
فهذه
المسألة تختلف باختلاف نوع المرض، ومدى الضرر، وإمكان العلاج، وقدرة الزوج على
القيام بحقوق الزوجية، ولذلك يُرجع فيها غالبًا إلى القضاء الشرعي أو الجهات
المختصة لتقدير الضرر والتحقق من الحال. وفيها خلاف وتفصيل بين الفقهاء، فليس فيها
إجابة واحدة قاطعة لكل الصور، وإن كانت صورة السؤال واضح فيها الضرر المحقق الواقع
على الزوجة.
القواعد
الفقهية الحاكمة في إثبات خيار الفسخ للزوجة للضرر:
قاعدة:
لا ضرر ولا ضرار
وهي
أصل في إزالة الضرر الواقع على الزوجة نتيجة فوات مقاصد النكاح وحرمانهما من
المعاشرة والعفاف.
قاعدة:
المشقة تجلب التيسير
تنطبق
على حالة الزوجة الشابة التي تقع في حرج ومشقة شديدة وخشية على دينها وعفتها
ببقائها معلقة، فيسر الشرع عليها بإباحة الفسخ.
قاعدة:
الضرر يُزال
يُستدل
بها في وجوب رفع الضرر الدائم عن الزوجة عبر القضاء، إذ لا يجوز تكليفها بالصبر
فوق طاقتها البشرية.
قاعدة:
الدرءُ للمفاسد مُقدَّمٌ على جلبِ المصالح
درء
مفسدة وقوع المرأة في الفتنة أو المشقة النفسية والدينية مقدم على مصلحة بقاء شكل
عقد الزوجية صوريًّا مع زوج لا يعقل ولا يشعر. والله تعالى أعلى وأعلم.
روابط
ذات صلة:
أعاني من الحرمان والإهانة.. هل يتحتم عليّ طلب الطلاق؟