أيهما أوجب نفقة الوالدين، أو نفقه الزوجة والأبناء؟

Consultation Image

الإستشارة 04/06/2026

ما حكم إلزام الأبناء الموسرين بالنفقة على والديهم إذا كانا يملكان مسكناً ولكن ليس لديهما دخل ثابت؟ وهل تسقط نفقة الزوجة والأبناء في حال تعارضها مع نفقة الوالدين العاجزين؟

الإجابة 04/06/2026

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد:

 

فمرحبًا بكم أخي العزيز، فإن بر الوالدين والإحسان إليهما من أعظم الواجبات الشرعية التي قرنها الله سبحانه وتعالى بعبادته وتوحيده في محكم التنزيل؛ فقال جل شأنه: {وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا} ومن جملة هذا الإحسان القيام بكفايتهما سدًّا لحاجتهما وتأمينًا لعيشهما الكريم عند العجز أو الحاجة.

 

اختصارًا:

 

وجوب نفقة الوالدين: تجب نفقة الوالدين على أولادهما الموسرين ذكورًا وإناثًا إذا كان الوالدان لا كسب لهما ولا مال سائل يفي بحاجتهما الأساسية كالمأكل والمشرب والعلاج.

 

أثر امتلاك المسكن: ملكية الوالدين للمسكن الذي يأويان إليه لا تسقط حقهما في النفقة، ولا يكلفان ببيعه أو رهنه لإنفاق ثمنه؛ لأن السكن من الحاجات الأصلية للإنسان التي لا يطالب ببيعها ليدفع عن نفسه وصف الفقر.

 

تزاحم نفقة الزوجة ونفقة الوالدين: إذا ضاق مال الابن ولم يكفِ للإنفاق على الزوجة والوالدين معًا، تقدم نفقة الزوجة على نفقة الوالدين؛ لأن نفقة الزوجة نفقة معاوضة واستحقاق لا تسقط بمضي الزمن وتُعد دينًا في الذمة، بينما نفقة الوالدين نفقة مواساة وسد حاجة. ومع ذلك، يأثم الابن إن قصر في حق والديه مع قدرته على التكسب لهما، ويُطالب شرعًا بالجمع بين الحقين بقدر الوسع والمواساة.

 

أولاً: حكم نفقة الوالدين:

 

اتفق العلماء على وجوب نفقة الوالدين الفقيرين على ولدهما الموسر. واعتبر فقهاء المذاهب الأربعة أن امتلاك الحاجات الأصلية كالمسكن والخادم والثياب لا يُخرج المرء عن حد الفقر المستحق للنفقة.

 

المذهب الحنفي: جاء في "تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق" للزيلعي 3/53: "وتجب النفقة للوالدين والأجداد والجدات إذا كانوا فقراء، وإن كانوا قادرين على الكسب... ولا يجبر الأب على الكسب ليفسح على الولد".

 

المذهب المالكي: جاء في "الشرح الكبير" للدردير 2/523 عند الحديث عن شروط وجوب نفقة الوالدين: "بأن يكونا فقيرين؛ أي لا مال لهما ولا كسب يفي بحاجتهما".

 

المذهب الشافعي: جاء في "مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج" للخطيب الشربيني 5/184: "وشرط وجوب نفقة الأصول: الفقر، فلا نفقة لغني بمال أو كسب".

 

المذهب الحنبلي: جاء في "كشاف القناع عن متن الإقناع" للبهوتي 5/481: "ويشترط لوجوب إنفاق الوالد على ولده وبالعكس: فقر من تجب له النفقة... فلو كان له مسكن يحتاجه وخادم يحتاجه لم يمنع وجوب النفقة له؛ لأنه من الحاجة الأصلية".

 

• المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث ودور الإفتاء المعاصرة كالإفتاء المصرية والأردنية: أكدت الفتاوى الحديثة أن المعاش التقاعدي أو الدخل الثابت هو معيار الغنى المانع للنفقة، أما الأصول العقارية غير المستغلة للتجارة كالمسكن الخاص فلا ترفع وصف الفاقة عن الوالدين، وتظل نفقتهما واجبة على الأولاد الموسرين.

 

ثانيًا: تزاحم نفقة الزوجة مع نفقة الوالدين العاجزين

 

إذا عجز الابن عن النفقة عليهما معًا لضيق ذات اليد، فقد رتب الفقهاء المستحقين للنفقة بناءً على قوة السبب (المعاوضة أو المواساة).

 

• الأصل الشرعي: ما رواه مسلم في صحيحه عن جابر رضي الله عنه أن النبي قال: "ابدأ بنفسك فتصدق عليها، فإن فضل شيء فلأهلك، فإن فضل عن أهلك شيء فلذي قرابتك".

 

• المذهب الحنفي: جاء في "الدر المختار" للحصكفي 3/621: "تقديم نفقة الزوجة على نفقة الأقارب؛ لأن نفقة الزوجة تجب بموجب عقد المعاوضة، ونفقة الأقارب بصلة الرحم، وقوي السبب يقدم".

 

• المذهب الشافعي: جاء في "روضة الطالبين" للنووي 9/93: "إذا لم يفضل عن كفايته إلا نفقة شخص واحد، ففيه أوجه... والأصح تقديم الزوجة على الأقارب؛ لأن نفقتها نفقة معاوضة، وثبتت مع الإعسار، وتقضى إذا فاتت، ونفقة الأقارب نفقة مواساة وسد خلة".

 

• المذهب الحنبلي: جاء في "المغني" لابن قدامة 8/220: "إذا لم يفضل عنه إلا نفقة واحد، قدمت الزوجة على الأقارب كلهم... لأن نفقة الزوجة معاوضة، ونفقة الأقارب مواساة، والمعاوضة آكد".

 

القواعد الفقهية الحاكمة:

 

1. قاعدة: "الحاجات الأصلية تنزل منزلة العدم في باب الغنى"

 

المسكن الذي يملكه الوالدان هو حاجة أصلية لا يمكن الاستغناء عنها، ووجوده كعدمه في تقييم القدرة المالية؛ فالأب المالك لبيته دون نقد سائل يُعامل فقهيًّا معاملة الفقير المعدم الذي تجب نفقته على ولده.

 

2. قاعدة: "التقديم بقوة السبب" أو "المعاوضة مقدمة على المواساة"

 

نفقة الزوجة وجبت بعقد معاوضة وهو تمكين النفس مقابل النفقة فهي دين لا يسقط بالإعسار، بينما نفقة الوالدين وجبت مواساة وصلة وبرًّا، وعند الشح والتزاحم المطلق الذي لا يمكن معه الجمع، يقدم حق المعاوضة الزوجة على حق المواساة الوالدين، مع بذل الجهد في تقليل الفجوة بالمواساة العينية والخدمة.

 

3. قاعدة: "الميسور لا يسقط بالمعسور"

 

إذا كان الابن قادرًا على كفاية الزوجة كاملة، وعاجزًا عن كفاية الوالدين كاملة ولكن يمكنه تقديم جزء من النفقة لهما كأقل ما يسد الجوع، فلا يسقط عنه هذا القدر الميسور بعجزه عن النفقة الكاملة، بل يلزمه تقديم ما يطيق. والله تعالى أعلى وأعلم.

 

روابط ذات صلة:

طاعة الزوج أم طاعة الوالدين.. أيهما أولى؟

الإنفاق على الوالدين.. حق شرعي

الرابط المختصر :
hacklink satın al betpas queenbet holiganbet casinoroyal jojobet jojobet giriş romabet marsbahis betvole jasminbet betplay casibom casinodior holiganbet betasus casinomilyon bahiscasino casinoroyal