أكبت أحلامي حتى أبقى الابن المثالي!

Consultation Image

الإستشارة
  • المستشار : أ. فاطمة عبد الرءوف
  • القسم : العائلة الكبيرة
  • التقييم :
  • عدد المشاهدات : eye 5
  • رقم الاستشارة : 4617
20/04/2026

أنا شاب بلغت الثلاثين من عمري خلوق ومتدين وجميع من حولي يرى إنني نموذج للشاب المثالي الناجح .. أبر أبي وأمي بشدة وعلى الرغم من ذلك أشعر إنني غير مرئي بالنسبة لهم وهذا ديدنهم معي طول عمري.

طول عمري مهذب لا أطلب شيئا يمدحونني قليلا ثم اعتبروا ذلك هو العادي بينما اخوتي ممن يطلبون يهتمون بطلباتهم وعلى الرغم من ذلك لم أطلب ولم أشعرهم بالذنب بل عشت بلا طلبات فكانوا يقولوا عني اني مريح لاني بلا طلبات وليس لاني لا اطلب حتى لا أضغط ..

الان انا ناجح ولدي المال هم يطلبون مني المال حتى يتزوج أخي الاصغر ( على سبيل القرض) لأنه يخشى أن يفقد البنت التي يحبها بينما أنا لم استطع أن أقول إنني ارغب في أن أخطب عندما لم يكن معي المال الكافي وتركت فتاة أحلامي تضيع مني ..

الان على أن أؤجل التفكير في الزواج من أجل أخي الاصغر وحتى لا تضيع فتاة أحلامه فالمال الذي معي لا يكفينا نحن الاثنين وأبي وأمي لم يشعروا بأي غضاضة وهم يقولون لي اقرض اخاك ثم اخطب انت بعد ذلك .. انت عاقل واهدي وصبور بينما هو شديد الالحاح والازعاج ..

انا الابن الاوسط واخي الاكبر لا يهتم الا بنفسه ولم يفكر أحد في الاقتراض منه رغم انه متزوج ولديه فائض فما هو الحل؟ .. علما انني لا احب المواجهة ولا املك في حياتي أفضل من الصورة المثالية التي يضعونني فيها ولا اريد أن اغامر بها لكني فقط أتمنى أن يفكروا وفي أحلامي وطموحاتي واحتياجاتي فهل من حل؟

الإجابة 20/04/2026

ابني الكريم، أهلاً وسهلاً ومرحبًا بك في موقعك بوابة الاستشارات الإلكترونية.. دعني في البداية أن أُعبر عن تقديري الشديد لك ولاهتمامك ببر والديك وعدم الضغط عليهم أو إشعارهم بأي تقصير؛ فجزاك الله خيرًا وبارك فيك وشرح صدرك لكل ما هو خير...

 

مشكلتك يا بني ليست مرتبطة بالحدث الأخير وطلب والديك إقراض أخيك الصغير حتى لو كان المقابل هو تجاهل احتياجك للزواج، فهذا الموقف هو الذي فجّر الأمر في عقلك وقلبك، أما جذور المشكلة فتبدو بالغة العمق.

 

الطفل غير المرئي

 

ابني الكريم، ما تعاني منه لا يعني مطلقًا أن والديك لا يشعران بالحب نحوك أو أنهم يحبون إخوتك أكثر منك.. المشكلة أن الوالدين لم يحصلوا على ثقافة تربوية والدية رشيدة ككثير من الأهل فقاموا بتربيتكم وفقًا لنظرية الفعل ورد الفعل.. الطفل الذي يحدث ضجيجًا يقومون بتهدئته ويستجيبون له.. الطفل الصامت يظنون أنه لا يحتاج شيئًا وإلا لأحدث ضجيجًا مثل إخوته وبالتالي وبما أنه لا يحتاج فلا معنى لتقديم شيء لا يحتاجه..

 

نعم هم يقدرون هدوءه وقلة احتياجاته لأنه ييسر الحياة، ولكنهم لا يرون أنهم بحاجة كثيرة للمدح لأنهم يعتبرون ذلك مجرد طبيعة شخصية وليس مجاهدة للنفس أو كبتًا للاحتياجات، وبالتالي أنت كنت تشعر دائمًا أنك طفل غير مرئي بالنسبة لهم، واستمر هذ الوضع حتى بلغت الثلاثين من عمرك وهم يعتبرون أنك بلا احتياجات أو على الأقل أنك قادر على تأجيل احتياجاتك.

 

على مدار سنوات طويلة -يا بني- وأنت تعزز لديهم هذه الاستجابات باختيارك ألا تعبر عن احتياجاتك.. كل أسرة تميل لعمل نظام أسري خاص بها وتميل لتثبيت الأدوار، وبينما كان أخوك الأكبر يلعب دور المستقل، وأخوك الأصغر يلعب دور المشاغب، لعبت أنت دور المنقذ العاقل الذي لا يحتاج شيئًا، وهذا الدور له ثمن وهو عدم الالتفات لما تحتاجه ولا تعبر عنه ومطالبتك في الوقت ذاته أن تساعد في تقديم الحل للأخ المشاغب الذي يسبب ضغطًا؛ فالأسرة تستجيب لمن يسبب ضغطًا لا لمن يتحمل.

 

واجه نفسك

 

ابني الكريم، أنت شخص هادئ لا تحب المواجهة، لكن على الأقل أنت بحاجة لمواجهة نفسك.. لديك نمط تعلق تجنبي لذلك تتجنب المواجهات، وتطور نمط استغنائي واستمرارك على هذا النحو سيؤذيك ويكسر سلامك النفسي.

 

اسأل نفسك لماذا لا أستطيع التعبير ببساطة عن احتياجاتي المشروعة؟ هل المشكلة في الأهل الذين لا يرونني؟ أم المشكلة داخلية؟ هل أنت فقط لا تريد الضغط عليهم بمطالبك؟ أم أنك سعدت من داخلك بمدحهم لك وأنك طفل غير متطلب؟ فتعززت لديك هذه الصورة وأمعنت أنت فيها، وعندما لم تكن تجد التقدير المستمر لهذه الصورة كنت تتألم لكنك لم تكن تستطيع التراجع.

 

فخ الاغتراب

 

لقد كبرت يا بني ووصلت للثلاثين وحققت كثير من النجاحات ولم تعد احتياجاتك تضغط على الأسرة ورغم ذلك أنت لا تعبر عنها.

 

أريد أن تفكر في مشكلة الأحلام المكبوتة.. الأمنيات التي لا نجرؤ على البوح بها ليس لأنها حرام أو غير جائزة، ولكن لأنها تخدش الصورة الخارجية التي بنيناها لأنفسنا.. لأن الآخرين سيحكمون علينا سيتهموننا بالضعف أو الخفة.. ستكسر صورة المثالية التي نسعد برؤيتها في عيون الآخرين فنضطر أن نقبل أشياء لا نريدها حقيقة وننكر أشياء نهفو إليها، وبمرور الوقت نتحول لشخصيات مزيفة.. شخصية صورتها الخارجية لا تشبه صورتها الداخلية ولعلهما معًا في حالة خصام وتنافر..

 

في رأيي أن الصدق مع النفس أعلى درجات الصدق والشجاعة في الاعتراف بأحلامها واحتياجاتها أعلى درجات الشجاعة.. نجاهد الخطأ نعم، ولكننا نقبل احتياجاتنا وأحلامنا المشروعة، حتى لو كانت تخدش صورة المثالية الواهمة.. فكلما ابتعدنا عن حقيقتنا الداخلية سقطنا في فخ الاغتراب، وأنا لا أريد لك يا بني أن تعيش حياة مزيفة أو أن تقع في فخ الاغتراب.

 

لا أقول لك تحول لشخصية صدامية فهذه ليست أنت، وهي شخصية مرفوضة ومخالفة للقيم الإسلامية، وإن كنت أخشى أن تتحول لها يوما لو استمرت حياتك على هذا النحو.

 

لكن أقول لك تعلم أن تعبر عن احتياجاتك بطريقة تدريجية.. تعلم أن تضع حدودًا حقيقية، ولكن مرنة.. غيّر سلوكك وستتغير استجابتهم.

 

المشكلة الأخيرة

 

في المشكلة الأخيرة الخاصة بإقراض أخيك الصغير قل لهم: سأحاول أن أساعد قدر استطاعتي، فكما تعلمون وصلت لمرحلة عمرية أحتاج فيها للزواج، وعلى الرغم من ذلك سأقدم مساعدة ويمكننا جميعا المشاركة.. يمكن لأخي الكبير المشاركة.. يمكن لأخي الصغير الاكتفاء بخطبة الفتاة حتى لا تضيع منه ويؤجل الزواج حتى يستطيع تحمل نفقاته.

 

هنا أنت لم تتصادم معهم ولم ترفض مبدأ المساعدة، ولكن عبرت عن احتياجك للزواج بوضوح ووضعته على قائمة الأولويات، بل وأخذت قرارًا أنك بحاجة للزواج.. تحدث بهدوء، ولكن بلهجة قاطعة عن قرارك ولا تضغط على نفسك كما اعتدت دائمًا، وذكر نفسك وذكرهم معك بقول النبي (يا معشرَ الشباب، مَن استطاع منكم البَاءَةَ فليتزوج، فإنه أغضُّ للبصر، وأحصن للفرج) وأنت بفضل الله تملك الباءة فما الذي يمنعك من الزواج؟

 

تساعد أخاك الصغير نعم، لكن أن تقدم احتياجاته على احتياجاتك، لا.. بهدوء وأدب أخبرهم أن على الأخ الصغير أن ينضج ويسعى ويجتهد وأن عليهم مساعدتهم له على ذلك بعدم الاستجابة الفورية لما يطلب.. جاهد نفسك أن تفعل ذلك وستجد نفسك مرئيًّا مقدرًا، وستجد أن احتياجاتك مقدرة، واستعن بالله ولا تعجز. يسر الله أمرك وأصلح حالك ورزقك الخير كله، وتابعنا بأخبارك دائمًا.

 

روابط ذات صلة:

أخي أصبح منقذ الأسرة على حساب نفسه!

اضطراب علاقة الأبوة بين إفراط التوقعات والتقصير المتعمد

الرابط المختصر :