الإستشارة - المستشار : د. رجب أبو مليح محمد
- القسم : العادات
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
27 - رقم الاستشارة : 6088
12/10/2026
توجد منصة تواصل اجتماعي اسمها ريديت، يناقش فيها الأفراد كافة الموضوعات المختلفة، دينية، اجتماعية، علمية، سياسية، وفى إحدى هذه المجتمعات التي كانت مخصصة لمناقشة شؤون المرأة، وجدت امرأة تقول أنها أصبحت مهتمة بالإسلام مؤخرا وتسأل النساء المسلمات إذا كان لديهن نفس الحقوق المتاحة للرجال في الإسلام.
هممت بأن أجيبها بأن أحيلها لمواقع إسلامية متخصصة في الرد على مثل هذه التساؤلات لكن خفت إن علقت بذلك أن يرد أحد المستخدمين الآخرين على ويشتم في الإسلام وأنا لا أنوى الرد على أمثال هؤلاء والدخول معهم في جدال لا ينفع، فهل إذا اكتفيت بالرد على تلك المرأة كما ذكرت سابقا ولم أرد على من يسب الإسلام أكون قد عرضته للإساءة لأنني لم أرد على من أساء إليه.
أنا حاولت أن أتواصل مع تلك السائلة على الخاص لكن للأسف هي لا تتيحه للمستخدمين الآخرين، فما حكم ذلك، هل أزودها بروابط عن الإسلام والمرأة ولا أرد على أي إساءة محتملة من قبل المستخدمين الآخرين، أم أنسى الأمر برمته ة ولا أرد عليها؟
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث
رحمة للعالمين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
فأهلاً وسهلاً ومرحبًا بك أختي الكريمة، وإن حرص
المسلم على هداية الناس وإرشادهم إلى الحق لهو من أشرف المقاصد وأعظم القربات، وهو
استجابة لأمر الله تعالى بالدعوة إليه بالحكمة والموعظة الحسنة، وما تشعرين به من
غيرة على دين الله وخوف من تعريضه للإساءة يدل على نقاء الفطرة وصدق الإيمان.
والمنصات العامة المفتوحة بطبيعتها تجمع بين طالب الحق والمجادل بالباطل، وللتعامل
مع هذا الواقع ضوابط شرعية توازن بين تبليغ الرسالة وتجنب الجدال المذموم.
اختصارًا:
يُشرع
لكِ، بل يُستحب استحبابًا مؤكدًا، أن تردي على هذه السائلة بتزويدها بالروابط
والمصادر الإسلامية الموثوقة التي تبين حقوق المرأة في الإسلام، ولا ينبغي لكِ أن
تتركي هذا الخير العظيم والواجب المقدس خشية ردود أفعال كارهي الإسلام، وإذا قام
أحد السفهاء بشتم الإسلام، فلا إثم عليك في تجاهله وعدم الرد عليه، بل إن الإعراض
عن الجاهلين هو الهدي القرآني الصحيح في مثل هذه المواقف، وصمتك عن شتائمهم لا
يُعد إقرارًا لها ولا تعريضًا للإسلام للإهانة، بل هو حرمان للمجادل من الوصول
لهدفه وهو الاستفزاز وإخراج الناس عن أخلاقهم. فضلاً عن أنه بمجرد سؤالها عن الإسلام ورغبتها فيه فقد يبادر كثير من كارهي الإسلام
إلى الإساءة بدون تعليق منك، فلو أحجمت عن التعليق حصلت مفسدة السب، ولم تتحقق
مصلحة البيان والدعوة.
وتفصيلاً:
أولاً:
فضل إرشاد الباحثين عن الحق إلى دين الإسلام الذي ارتضاه الله للخلق:
السائلة
تبحث عن الحقيقة، وإرشادها من باب الدلالة على الخير، وقد قال النبي ﷺ: «مَنْ دَلَّ
عَلَى خَيْرٍ فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِ فَاعِلِهِ» رواه مسلم. وتفويت هذه الفرصة بسبب
خوف متوقع وغير مؤكد من الآخرين هو تضييع لمصلحة محققة وهي هداية باحثة عن الحق من
أجل مفسدة متوهمة أو لا دخل لك فيها كشتم بعض المجادلين للإسلام.
ثانيًا:
حكم الإعراض عن الجاهلين وتجاهل المستهزئين:
ترك
الرد على الشاتمين والمستهزئين في المنصات العامة ليس ضعفًا ولا تعريضًا للدين
للإساءة، بل هو امتثال صريح لأمر الله تعالى القائل: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ
بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} [الأعراف: 199]، وقوله تعالى في صفات
عباد الرحمن: {وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا} [الفرقان:
63].
ثالثًا:
متى يكون المسلم متسببًا في سب الدين؟
يكون
المسلم متسببًا في سب الدين إذا بادر هو بشتم عقائد الآخرين وآلهتهم، كما قال
تعالى: {وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا
اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ} [الأنعام: 108]. أما مجرد وضعك لروابط علمية
تشرح الإسلام، فهذا ليس سبًّا ولا استفزازًا، وإنما هو بيان للحق. فإن شتموا بعد
ذلك، فالإثم عليهم وحدهم.
أقوال
العلماء في ترك المراء والجدال:
وقد
نص علماء الأمة على أن الجدال مع من لا يرجى منه خير أو من يقصد الاستهزاء فقط هو
مضيعة للوقت ومفسدة للقلب، قال الإمام الشافعي رحمه الله: "ما جادلت جاهلاً
إلا غلبني". ويقرر علماء الدعوة المعاصرون أن منصات التواصل تعج بمن يُعرفون
بـ المتصيدين وأفضل طريقة للتعامل معهم هي عدم الرد؛ لأن الرد عليهم يمنحهم
الظهور، بينما الإعراض عنهم يميت باطلهم، وفي الغالب سيتولى آخرون من المسلمين
المحبين للجدال الدر عليهم فلا تقلقي.
القواعد
الفقهية الحاكمة في الدعوة إلى الله والخوف من سب المخالفين:
لا
تزر وازرة وزر أخرى: أنتِ مكلفة بنشر الحق وإرشاد السائلة
ولست محاسبة على أفعال غيرك بشتمهم للإسلام، فلا تتركي ما طُلب منك شرعًا خشية ما
سيفعله غيرك بغيًا وعدوانًا.
الموازنة
بين درء المفاسد وجلب المصالح: مصلحة إيصال صوت الحق والرد على شبهات
السائلة أرجح وأعظم من مفسدة رؤية تعليق مسيء، وتجاهلكِ للتعليق المسيء هو التطبيق
العملي لدرء مفسدة الجدال العقيم.
الميسور
لا يسقط بالمعسور: ما تقدرين عليه وهو وضع الروابط لا ينبغي
أن تتركيه بسبب ما يعسر عليكِ أو لا ترغبيه وهو الدخول في مهاترات الجدال.
لا
يُنسب إلى ساكتٍ قول: سكوتك عن الرد على الشاتمين لا يُعد شرعًا
إقرارًا لهم ولا رضًا بباطلهم، بل هو سكوت اقتضته حكمة الدعوة والمقام. والله
تعالى أعلى وأعلم.
روابط
ذات صلة:
انفعال الداعية على مخالفيه.. غيرة على الدين أم انتصار للنفس؟
فن التعامل مع المخالفين بين الحزم والرحمة