الإستشارة - المستشار : د. عادل عبد الله هندي
- القسم : الدعوة في المهجر
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
77 - رقم الاستشارة : 4296
07/03/2026
استشارة مسلم داعٍ في مجتمع غربي: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أنا شاب أعيش في بلد أوروبي منذ سنوات، وأشغل منصبًا في بلدية المدينة التي أسكن فيها. أجدني دائمًا في حيرة؛ هل دوري كداعية يقتصـر على توزيع الكتيبات والحديث عن التوحيد في المركز الإسلامي، أم أن انغماسـي في حل مشكلات الحي (مثل قضايا التلوث، تنظيم السـير، مساعدة اللاجئين غير المسلمين) يعدُّ عملاً دعويًّا؟
يلومني بعض الإخوة قائلين: (أنت تضيع وقتك في شؤون الدنيا والناس في غفلة عن الآخرة). كيف أوازن بين واجبي المهني والاجتماعي وبين هويتي كداعية وفق ما ورد في تأصيل (الداعية وخدمة المجتمع)؟ وهل خدمتي لمجتمع غير مسلم تُعدُّ شـرعًا من (الدعوة إلى الله)؟
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، حياك الله أيها الأخ الحبيب، وبارك الله في علمك وعملك. اعلم أنك في ثغر من أعظم ثغور الإسلام في الغرب، وأن ما تقوم به ليس مجرد (شؤون دنيا)؛ بل هو صميم (الدعوة بالحال) التي تسبق وتفوق (الدعوة بالمقال).
والداعية لا يستقيم له حال أو تنجح له دعوة إذا كان بمعزل عن المجتمع)، وأن مفهوم الخدمة في الإسلام يتجاوز حدود المعتقد ليشمل (الإنسان) لكونه إنسانًا.
وإليك الجواب المفصل المستمد من المنهج النبوي:
أولاً: مفهوم (الداعية المدني) (تأصيل البحث): فالإنسان (مدني بالطبع)، والداعية يجب أن يكون (ألصق الناس بهذه الطبيعة). وجودك في البلدية وحل مشكلات التلوث أو التنظيم هو (شهود حضاري). لقد كان النبي ﷺ قبل البعثة يشارك في (حلف الفضول) لنصـرة المظلوم، وقال بعد البعثة: (لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفًا ما أحب أن لي به حمر النعم، ولو دُعيت به في الإسلام لأجبت). هذا (الانخراط الاجتماعي) هو الذي يبني الجسور التي سـيعبر عليها خطابك الدعوي لاحقاً.
ثانيًا: هداية الطريق ونفع الناس (الخدمة كعبادة): وإذا كان الإسلام قد عدّ إرشاد عابر سبيل في الطريق كعتق رقبة، فكيف بمن يخطط لسلامة الناس في طرقاتهم أو يسعى في نظافة بيئتهم؟ إن كل جهد تبذله لتحسـين حياة الناس في مجتمعك هو (إحسان) مأمور به شـرعًا، وهو يطبق قاعدة (أحب الناس إلى الله أنفعهم للناس).
ثالثًا: كسـر (الصورة النمطية) عبر العمل الاجتماعي: المجتمعات غير المسلمة تعاني من صور نمطية سلبية عن المسلم (المنعزل) أو (المتطرف). حين يراك جيرانك وزملاؤك مهتمًا بقضاياهم العامة (التلوث، الفقر، الأمان)، فإنك تمارس (تزكية الأفعال). و(الإحسان بالعمل يورث المحبة، والمحبة بريد الاستجابة). عندما يحبون (المسلم الخدوم)، سيبدؤون بطرح الأسئلة عن (الدين) الذي دفعك لهذا الخلق، وهنا يبدأ البلاغ الحقيقي.
وأنصحك ختاما بالآتي:
* صحح نيتك: اجعل كل معاملة ورقية أو مشـروع بلدية بنية (تأليف القلوب) وإظهار (جمال الإسلام)، لتتحول وظيفتك إلى محراب دعوي.
* كن (خادم الحي): فالنبي ﷺ كان يمشـي في حاجة الأرملة والمسكين؛ فلا تترفع عن الخدمات البسـيطة لجيرانك، فهي أبلغ من ألف خطبة.
* الربط القيمي: حين يسألونك عن سـر إخلاصك ونشاطك، قل لهم ببساطة: (ديني يأمرني بنفع الناس جميعًا)، فهذه الجملة هي (مفتاح البلاغ).
* لا تلتفت للمثبطين: من يظن أن الدعوة هي (كلام) فقط لم يقرأ سـيرة النبي ﷺ (الخادم لقومه) و(المحسن لعدوه).
ختامًا، نسأل الله أن يجعلك مباركًا أينما كنت، وأن يجعل عملك في البلدية حجابًا لك من النار، وسببًا في دخول خلق كثير في دين الله أفواجًا، زادك الله بصيرة ونورًا.
روابط ذات صلة:
الدعوة بالخدمة.. كيف نفتح القلوب قبل الآذان؟