الإستشارة - المستشار : د. عادل عبد الله هندي
- القسم : مناهج الدعوة ووسائلها
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
94 - رقم الاستشارة : 4271
04/03/2026
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أنا داعية أعمل في منطقة تعاني من نقص شديد في الخدمات العامة وانتشار الفقر وضيق ذات اليد بين السكان. أجد صعوبة بالغة في جذب الناس للمحاضرات الدينية أو الدروس الوعظية؛ إذ يبدو أن همومهم المعيشية قد طغت على استماعهم للمواعظ.
أشعر أحيانًا بالعجز، فهل من المروءة أو من الشـرع أن نترك الوعظ المباشـر لننشغل بمساعدة الناس في شؤونهم الدنيويـة؟ وكيف يمكن لخدمة المجتمع أن تكون بحد ذاتها وسـيلة دعوية مؤثرة دون أن تضيع هوية الداعية؟
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، حياك الله أيها الداعية المبارك، وبارك الله في غيرتك وحرصك. اعلم -أخي الكريم- أن ما تلمسه من انشغال الناس بضرورات عيشهم هو واقع بشـري أدركه الوحي وعالجه المنهج النبوي، فالدعوة ليست مجرد كلمات تُلقى، بل هي (رحمة تُهدى).
إن الجواب الشافي لمشكلتك يكمن في إدراك أن (الداعية لا يستقيم له حال أو تنجح له دعوة إذا كان بمعزل عن المجتمع).
وإليك تفصيل ذلك من واقع الأصول الشـرعية:
1. الارتباط العضوي بالمجتمع: الداعية الحق يجب أن يكون ألصق الناس بطبيعة البشـر، يغشى الناس ويخالطهم ويصبر على أذاهم. إن حبسك لنفسك في (برج وعظي) بينما الناس يتألمون معيشيًّا يُحدث فجوة تمنع وصول الرسالة.
2. الخدمة الاجتماعية كتمهيد دعوي: إن الإحسان للمدعوين بالعمل هو أبلغ وسـيلة لفتح القلوب. لقد كان من هدي النبي ﷺ في دعوته تقديم المعونة؛ ففي السـيرة نجد قوله ﷺ: (من كان معه فضل ظهر فليعد به على من لا ظهر له). فإغاثة الملهوف، وإرشاد الضال، ومساعدة الضعيف هي مفاتيح القلوب التي تسبق سماع القول.
3. النموذج النبوي في قضاء الحوائج: تأمل في حال النبي ﷺ حين جاءه الأعرابي الذي لا يعرف عن الإسلام شيئًا، فما كان من النبي ﷺ إلا أن حلب له شاة، ثم أخرى، حتى روي عنه الإحسان، فرجع إلى قومه يقول: (أسلموا، فإن محمدًا يعطي عطاء من لا يخشى الفقر). هنا كانت الخدمة هي (الموعظة الصامتة) التي غيرت مسار قبيلة كاملة.
4. الموازنة الحكيمة: لا يعني الانشغال بالخدمة ترك الدعوة، بل جعل الخدمة (قالبًا) للدعوة. إن سعيك في إصلاح طريق، أو تأمين ماء، أو شفاعة لمظلوم، يرفع من قدرك عند الناس، فإذا تكلمت بعد ذلك كان لقولك وزن وسلطان في نفوسهم.
وأنصحك ختامًا بالتالي:
O ابدأ بالاحتياجات الملحة: اجعل لك دورًا ملموسًا في حل أزمات منطقتك ولو بالشفاعة الحسنة أو تنظيم الجهود.
O الإخلاص في الإحسان: لا تجعل مساعدتك للناس (مشـروطة) بحضورهم لدروسك، بل أحسن إليهم لله، وسـيقودهم ذلك إليك طوعًا.
O تلمس الضعفاء: كن مع الأرملة والمسكين، فقد كان النبي ﷺ لا يأنف أن يمشي مع الأرملة والمسكين فيقضي لهما حاجتهما.
O الصبر على الجفاء: قد لا تظهر الثمار فورًا، فاصبر، فإن بناء الثقة يحتاج إلى وقت ومواقف صادقة.
ونسأل الله أن يبارك في سعيك، وأن يجعل يدك ممتدة بالخير لكل محتاج، وأن يفتح بك قلوب العباد، ويجعلك من مفاتيح الخير مغاليق الشـر.
روابط ذات صلة:
مساعدة الآخرين.. محفزة وملهمة للنفوس