الإستشارة - المستشار : د. رجب أبو مليح محمد
- القسم : فقه الأسرة
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
1601 - رقم الاستشارة : 3396
26/11/2025
فضيلة الشيخ الكريم، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أنا امرأة توفّي زوجي حديثًا، وأنا الآن في فترة العدّة الشرعية. وأسأل فضيلتكم عن حكم مسألة طارئة تتعلق بعلاج الأسنان: قبل سنة قمتُ بعمل زرعة سنّ عند طبيب معيّن، وكانت الزرعة تحتوي على برغي تمّ تركيبه داخل اللثة.
قبل أيام سقط هذا البرغي وأصبح وضع الزرعة غير ثابت، والطبيب الذي أجرى العملية هو الوحيد الذي يعرف تفاصيل التركيب ولا يستطيع غيره إصلاحها لأنها ليست تركيبة عادية بل زرعة مرتبطة بالعظم.
سؤالي: هل يجوز لي شرعًا الخروج أثناء العدّة لزيارة هذا الطبيب نفسه لإصلاح الزرعة، علمًا أن تركها هكذا قد يسبب لي ضررًا أو التهابات؟ وهل يعتبر هذا الخروج من الأعذار المباحة للمرأة المعتدّة؟
بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه، وبعد:
فيجوز للمرأة المعتدة عامة، والمعتدة من عدة الوفاة خاصة الخروج لحاجتها مثل العلاج والعمل وشراء حاجاتها إن لم تجد من يكفيها هذا، وليس عليها إلا المبيت في البيت الذي بلغتها فيه وفاة زوجها.
وفي واقعة السؤال يجوز لك متابعة طبيت الأسنان ما دام الطبيب لن يختلي بك في مكان مغلق، وستخرجين بملابسك الشرعية التي حددها الشرع الحنيف.
المراد بالاعتداد
يقول فضيلة الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي في فتوى مشابهة نختصر منها ما يلي:
المراد بالاعتداد: أن تتربص بنفسها، ولا تتزوج مدة أربعة أشهر وعشرة أيام؛ إذا لم تكن حاملًا، فإن كانت حاملًا فعدتها وضع الحمل، ويلاحظ أن مدة العدة هنا -في غير حالة الحمل- أطول قليلًا من عدة المطلقة (وهي ثلاث حيض أو ثلاثة أشهر)؛ وذلك لأن الزوج يترك وراءه من مشاعر الأسى والحزن في نفس الزوجة، وفي أنفس أهله وأقربائه ما لا يتركه الطلاق؛ فلزم أن تطول المدة قليلًا، حتى تخف حدة الحزن، وتبرد عواطف الأسى، ومظاهر الكآبة من قبل الزوجة، ومن قبل أهل المتوفى.
المراد بالحداد
أما الحداد: فالمراد به أن تجتنب المعتدة مظاهر الزينة والإغراء، مثل الاكتحال واستعمال الأصباغ والمساحيق، التي تتجمل بها المرأة عادة لزوجها، ومثل أنواع الطيب والعطور والحلي والثياب الزاهية والمغرية؛ ودليل ذلك ما ثبت في الصحيحين عن أم حبيبة وزينب بنت جحش أماّ المؤمنين رضي الله عنهما: أن رسول الله ﷺ قال: "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث (أي ثلاث ليال) إلا على زوج أربعة أشهر وعشرًا".
وفي الصحيحين عن أم سلمة: أن امرأة قالت: يا رسول الله، إن ابنتي توفي عنها زوجها، وقد اشتكت عينها، أفتكتحل؟ فقال: لا… كل ذلك يقول: لا، مرتين أو ثلاثًا. ثم قال: إنما هي أربعة أشهر وعشرًا. وقد كانت إحداكن في الجاهلية تمكث سنة"..
وفيهما عن أم عطية أن رسول الله ﷺ قال: "لا تحد امرأة فوق ثلاثة أيام، إلا على زوجها، فإنها تحد عليه أربعة أشهر وعشرًا، ولا تلبس ثوبًا مصبوغًا، إلا ثوب عصب ولا تكتحل، ولا تمس طيبًا، إلا عند أدنى طهرها إذا طهرت من حيضها، بنبذة من قسط أو ظفار". والمراد بثوب العصب ما صبغ بالعصب، وهو نبت ينبت باليمن.
وروى أبو داود والنسائي عن أم سلمة: "أن رسول الله ﷺ قال للمتوفى عنها زوجها لا تلبس المعصفر من الثياب، ولا الممشقة، ولا الحلي، ولا تختضب، ولا تكتحل..". وفي حديث آخر رواه أبو داود أنه ﷺ قال لها: "لا تمتشطي بالطيب ولا بالحناء فإنه خضاب. قالت: قلت: بأي شيء أمتشط؟ قال: بالشذر تغلفين به رأسك".
لزوم بيت زوجها الذي مات فيه
والأمر الثالث الذي يلزم المتوفى عنها زوجها: أن تلزم بيتها الذي مات زوجها وهي فيه، لا تغادره طوال أشهر العدة. كما روت فريعة بنت مالك أخت أبي سعيد الخدري: أنها جاءت إلى رسول الله ﷺ فأخبرته أن زوجها خرج في طلب أعبد (عبيد) له، فقتلوه بطرف القدوم. فسألت رسول الله ﷺ أن أرجع إلى أهلي، فإن زوجي لم يتركني في مسكن أملكه ولا نفقة فقال: "امكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله"؛ فاعتددت فيه أربعة أشهر وعشرا"؛ ولأن بقاءها في بيتها أليق بحالة الحداد الواجبة عليها، وأسكن لأنفس أهل الزوج المتوفى، وأبعد عن الشبهات، لكن يجوز لها أن تغادره لحاجة، مثل العلاج، أو شراء الأشياء اللازمة إذا لم يكن لها من يشتريها، أو الذهاب إلى عملها الملتزمة به، كالمدرسة والطبيبة والممرضة وغيرهن من النساء العاملات، وإذا خرجت لحاجتها نهارًا؛ فليس لها الخروج من منزلها ليلًا.
وقد جاء عن مجاهد قال: "استشهد رجال يوم أحد، فجاء نساؤهم رسول الله ﷺ وقلن: يا رسول الله، إنا نستوحش بالليل، أفنبيت عند إحدانا، حتى إذا أصبحنا بادرنا إلى بيوتنا؟ فقال: تحدثن عند إحداكن ما بدا لكن، فإذا أردتن النوم؛ فلتؤب كل امرأة إلى بيتها". ولأن الخروج ليلًا مظنة للريبة والتهمة؛ فلم يجز إلا لضرورة. وليس لها الخروج للصلاة في المسجد، أو السفر لحج أو عمرة أو غير ذلك؛ لأن الحج لا يفوت والعدة تفوت لأنها موقوتة بزمن.
التعريض والتلميح بالخطبة
هذه هي الأمور الثلاثة المطلوبة من المعتدة الحادة. أما ما يُطلب من الناس إزاءها؛ فهو أنها يحرم خطبتها مدة العدة تصريحًا، ويجوز تعريضًا وتلميحًا. كما بين ذلك القرآن الكريم حين قال: {وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُم بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاء أَوْ أَكْنَنتُمْ فِي أَنفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِن لاَّ تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلاَّ أَن تَقُولُواْ قَوْلاً مَّعْرُوفًا وَلاَ تَعْزِمُواْ عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّىَ يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ} (البقرة: 235).
وهذه الآية في النساء المتوفى عنهن أزواجهن، وقد رفعت الآية الجناح والحرج عند التعريض بخطبتهن، أي التلميح بذلك، مثل أن يقول: أنني في حاجة إلى الزواج، وأرغب في امرأة صالحة، ونحو ذلك، مما يفهمها أنه يريدها. كما رفعت الآية الجناح عن إكنان ذلك في النفس؛ لأن الإنسان لا يملك قلبه، وخواطر نفسه، كل ما يمنع هو التصريح بالخطبة للمرأة، أو مواعدتها سرًا؛ فذلك مما يثير الريبة، وينشر حولها الشائعات، أما أن يقول لها قولًا معروفًا فلا بأس.
بعد انقضاء العدة
وعندما يبلغ الكتاب أجله، وهذا كناية عن انقضاء العدة؛ أصبحت المرأة حرة في أن تتزوج من تشاء، وأن تخرج من البيت كما تشاء، وأن تلبس وتتزين بما تشاء، وأصبح لمن يريدها أن يخطبها صراحة لا كناية، وأن يعزم عقدة النكاح إن شاء، قال تعالى: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} (البقرة:234).
ولا يُطلب من المرأة بعد انقضاء العدة أي شيء تعمله مما كانت تفعله في الجاهلية قديمًا، أو يعتقده بعض الناس حديثًا؛ وبهذا كله نعلم أن ما هو شائع عند جمهرة الناس في الخليج من معتقدات حول المعتدة مما أشار الأخ السائل إلى نماذج منه؛ لا أصل له في الشرع.
فلها أن تكلم الناس ويكلموها بالمعروف، وأن يدخل عليها محارمها وغيرهم من الرجال الثقات؛ ما دامت محتشمة وفي غير خلوة، أما ما قيل من أنها لا تنظر في المرآة أو القمر، أو لا تلمس الملح بيدها، ولا التراب برجلها، وأنها تخرج عند انتهاء العدة لتذهب إلى البحر؛ فكل ذلك مما لا أصل له في دين الله، ولم يقل به إمام، ولا مذهب، ولم يفعله أحد من السلف الصالح؛ ولهذا نجد أكثر بلدان المسلمين لا يعرفون هذه العادات، بل لم يسمعوا بها… وفي الحديث: "من عمل عملًا ليس عليه أمرنا؛ فهو رد" أي باطل مردود على من عمله. أ.هـ.
والله تعالى أعلى وأعلم.
روابط ذات صلة:
متى تبدأ عدة المتوفى عنها زوجها ..من الوفاة أو الفراق