ما هي الحكمة من توريث الذكر ضعف الأنثى؟

Consultation Image

الإستشارة
  • المستشار : د. ماهر السوسي
  • القسم : فقه الأسرة
  • التقييم :
  • عدد المشاهدات : eye 963
  • رقم الاستشارة : 3587
17/12/2025

فضيلة المفتي: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.. أنا شاب ملتزم بأحكام ديني، أسمع كثيراً أن الإسلام قد ظلم المرأة فأعطاها نصف ما أعطى الرجل من الميراث، وأنا على يقين أن ما يقال غير صحيح، ولأنني لست متخصصًا في أحكام التشريع الإسلامي لا أستطيع الرد على هؤلاء الناس، لذا أتمنى على فضيلتكم أن تبينوا لي كيف أستطيع الرد على مثل هذا الادعاء وبارك الله فيكم.

الإجابة 17/12/2025

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى آله وأصحابه أجمعين ومن ولاه، وبعد:

 

أيها السائل الكريم، حفظك الله ورعاك وزادك حرصًا وثباتًا على دينك، وأقدر فيك حبك لدينك، وحرصك على الدفاع عنه وتعلم أحكامه، وقبل أن أبين لك كيفية الرد على الدعوى التي ذكرتها فلا بد أولا من بيان بعض الحقائق المهمة على النحو التالي.

 

حقائق مهمة حول أحكام الإسلام

 

الحقيقة الأولى: أن الجهل بأحكام الإسلام وقواعده العامة يوفر لأعداء الإسلام مناخًا واسعًا لبث سمومهم ونشر افتراءاتهم وممارسة دورهم الخبيث في تشويه الإسلام وتضليل المسلمين.

 

الحقيقة الثانية: الإسلام هو دين العدل ولا ظلم فيه، ذلك أن الله سبحانه وتعالى قد حرم الظلم على نفسه وجعله محرمًا بين الناس، حيث جاء ذلك في الحديث القدسي الذي رواه سيدنا محمد عن رب العزة "عز وجل" قال: "يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا"، وإن كان الأمر كذلك فيستحيل على الله الكذب، ذلك؛ لأنه لا يليق بجلال الله عز وجل أن يأمر الناس بعدم الظلم ثم هو يظلمهم، وهو القائل: {وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيد}.

 

الحقيقة الثالثة: يظن الناس خطأ أن العدل والمساواة بمعنى واحد؛ والحقيقة أن العدل غير المساواة، فالعدل أن تعطي كل ذي حاجة بقدر حاجته، والمساواة ألا تحرم مستحقًا من حقه، فإذا وجبت عليك نفقة أولادك فالمساواة ألا تحرم أحدهم منها، فإن أعطيت البعض وحرمت الآخرين فلم تساوِ بينهم، وإن أعطيت من يحتاج عشرة دنانير عشرة، ومن يحتاج عشرين دينارا عشرة بزعم المساواة تكون فد ظلمت الأخير ولم تعدل في النفقة.

 

الحقيقة الرابعة: إن أحكام الميراث هي فريضة محكمة لا يجوز الاعتراض عليها أو اتهامها بالظلم أو النقص؛ فالاعتراض عليها اعتراض على شرع الله عز وجل، وهذا ممنوع في الشرع، ثم إن اتهامها بالظلم هو اتهام للمشرع نفسه بالظلم، وهذا كفر – نعوذ بالله منه-.

 

وبعد استعراض هذه الحقائق التي لا بد منها يمكننا أن نبين خطأ ما يدعيه المعرضون من أن الإسلام قد ظلم المرأة فورثها نصف نصيب الرجل، وأن هذا الادعاء جور وزور، وتحريض على دين الله عز وجل، وتنفير منه، وجهل بأحكامه وتشريعاته.

 

حالات ميراث المرأة

 

ولدفع هذه الشبهة عن ديننا الحنيف فإننا نقول: إن الإسلام قد ورث المرأة نصف نصيب الرجل في حالات محدودة، وفي حالات أخرى ورثها نصف التركة، وفي حالات غيرها ورثها ربع التركة، وقد ورثت ثمن التركة في حالات معينة، ويمكننا الآن أن نستدل على ذلك بما ورد في كتاب الله سبحانه وتعالى على الحالات السابقة حتى يتبين لنا وجه الحق.

 

أولا: الحالات التي ترث فيها المرأة نصف نصيب الرجل:

 

١- يقول الله تعالى: {يوصيكُمُ اللَّهُ في أَولادِكُم لِلذَّكَرِ مِثلُ حَظِّ الأُنثَيَينِ}، وهذا في حال ما إذا توفي الرجل وترك أبناء وبنات فترث المرأة نصف حصة الرجل كما هو مبين في هذا الجزء من الآية.

 

٢- يقول الله تعالى: {فَإِن لَّمْ يَكُن لَّهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ} ترث المرأة نصف نصيب الرجل إذا توفي شخص ولم يكن له أولاد وترك أُمًّا وأبًا فيكون نصيب الأم ثلث التركة، والأب له الثلثان الباقيان.

 

٣- قوله تعالى: {وَإِن كَانُوا إِخْوَةً رِّجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ}، في هذه الحالة أيضًا ترث المرأة نصف نصيب الرجل إذا كان الورثة هم إخوة المتوفى حيث لم يكن له أولاد وكان إخوته ذكورًا وإناثًا أكثر من اثنين.

 

ثانيًا: الحالات التي ترث فيها المرأة نصف التركة:

 

١- قوله تعالى: {وَإِن كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ}، ففي هذه الحالة ترث المرأة نصف التركة إذا لم يكن للمتوفى أبناء غيرها.

 

٢- قوله تعالى: {يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ ۚ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ}، هذه الآية تدل على أن المرأة ترث نصف التركة إذا كان المتوفى هو أخوها ولم يكن له أولاد يرونه.

 

ثالثًا: الحالة التي ترث فيها المرأة ربع التركة:

 

جاء ذلك في قوله تعالى: {وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّكُمْ وَلَدٌ ۚ فَإِن كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ}، حيث ترث المرأة ربع تركة زوجها إن لم يكن له أولاد.

 

رابعًا: الحالة التي ترث فيها المرأة ثمن التركة:

 

وقد جاء ذلك في قوله تعالى: {فَإِن كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُم}، فترث المرأة ثمن تركة زوجها إن كان له أولاد.

 

خامسًا: الحالة التي ترث فيها المرأة سدس التركة:

 

وقد جاء ذلك في قوله تعالى: {فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ}، ترث المرأة سدس التركة إذا كان المتوفى هو ابنها ولا أبناء له ولكن له إخوة يرثونه.

 

سادسًا: الحالة التي ترث فيها المرأة ثلث التركة:

 

وذلك كما في قوله تعالى: {فَإِن لَّمْ يَكُن لَّهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُث}، فترث المرأة ثلث تركة ابنها المتوفى إذا لم يكن له أبناء ولا إخوة.

 

هذه نماذج وأمثلة للحالات التي ترث فيها المرأة، والناظر في هذه الحالات يرى أن نصيب المرأة في الميراث يختلف باختلاف المتوفى، سواء كان أبًا أو أخًا أو زوجًا أو ابنًا، وكذلك يختلف باختلاف الوارثين معها وباختلاف عددهم، وبناء على ذلك فإن المرأة قد ترث نصف نصيب الرجل في أقل حالات الميراث، وقد يكون نصيبها في بعض الحالات أكبر من نصيب الرجل، ومن أمثلة ذلك أن يتوفى رجل ويترك زوجة وعشرة أبناء وكانت تركته عبارة عن ثمانية آلاف دينار، ففي هذه الحالة ترث المرأة الثمن وهو ألف دينار، ويبقى سبعة آلاف دينار توزع على الأولاد العشرة، فيكون نصيب كل ولد أقل من ألف دينار.

 

حكمة توريث المرأة نصف الرجل

 

وبعد هذا العرض نستطيع القول أن الحكمة من توريث المرأة نصف نصيب الرجل في الحالات التي ذكرناها تتمثل في أن الرجل قد كلفه المشرع بأعباء وواجبات لم تكلف بها المرأة، وهذا يتمثل في النفقات المفروضة شرعًا على الرجل، كنفقته على زوجته وإن كانت أغنى منه، وكذلك نفقته على أولاده وعلى أبيه وأمه إن كانا فقيرين، أما المرأة فلا تنفق على أحد، وهي كما أسلفنا إما أن ينفق عليها أبوها أو أخوها أو زوجها أو ابنها.

 

حكمة توريث الرجل ضعف المرأة

 

ويمكننا الآن أن نذكر الحكمة من أن نصيب الذكر في الميراث يكون ضعف نصيب الأنثى في حالات محددة فقط، فالحكمة هي أن الأعباء المالية التي كلف بها الرجل هي أكبر مما كلفت بها المرأة؛ بل إن المرأة لم تكلف بالأعباء المالية إلا في حالات نادرة، فالرجل ينفق على نفسه، وعلى زوجته، وعلى أولاده، وعلى أبويه إن كانا فقيرين، وعلى إخوته إن لم يكن لهم عائل ينفق عليهم، أما المرأة فلا تنفق على أحد حتى ولا على نفسها إلا عندما تعدم من ينفق عليها.

 

وحتى يتبين لنا ما سبق فإننا نوضح الصورة أكثر بالمثال، ونفترض أن رجلاً قد توفي وترك ولدا وبنتا، وترك ستة آلاف دينار، فعند توزيع تركته يكون نصيب الابن أربعة آلاف دينار، ونصيب البنت ألفي دينار، فإذا ما أراد الابن أن يتزوج فإنه يدفع ما ورثه عن أبيه مهرًا لعروسه بالإضافة إلى نفقات الزواج وما يقوم به بعد ذلك من نفقة على زوجته ونسله إن قدر الله تعالى أن يكون له نسل.

 

وأما أخته فإذا ما طُلبت للزواج فإن الخاطب يدفع لها مهرًا ثم ينفق عليها وعلى ما تلد له من عيال، فلا تكون بذلك قد خسرت شيئًا مما ورثته عن أبيها، بل يكون قد انضاف على ما ورثته عن أبيها المهر الذي أمهرها به زوجها، وبذلك يكون حظها من المال أكبر من حظ أخيها، والله أعلم.

 

روابط ذات صلة:

المساواة في الميراث.. الحجج والحجج المضادة

المساواة فى الميراث.. أبعاد غائبة ومآلات ناتجة

ميراث المرأة وقضية المساواة

النسوية وتوزيع الميراث على البنات!

رد الشبهات حول حقوق المرأة في الإسلام

شبهات وردود.. الإسلام ظلم المرأة في الميراث (2)

فلسفة الإسلام في تقسيم المواريث ودعوى ظلم المرأة

هل أحكام الميراث الشرعية عادلة في ظل المتغيرات المعاصرة؟

كتابة التركة للبنات خوفا من ميراث أعمامهم!

الرابط المختصر :