الإستشارة - المستشار : د. عادل عبد الله هندي
- القسم : الدعوة الإلكترونية
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
7 - رقم الاستشارة : 5089
15/06/2026
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أنا فتاة أعمل في مجال الدعوة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وأبذل جهدًا في إعداد المحتوى التربوي والإيماني، لكنني بدأت أشعر في الفترة الأخيرة بإحباط شديد بسبب المقارنات المستمرة؛ فأرى حسابات تنتشـر بسـرعة كبيرة، وأشخاصًا يحققون مشاهدات هائلة رغم بساطة محتواهم، بينما المحتوى الهادف أحيانًا لا يصل إلا إلى أعداد محدودة.
وأحيانًا أتساءل: هل المشكلة في أسلوبي؟ وهل أصبح الناس لا يريدون إلا الترفيه والمحتوى السريع؟ كما أنني أخاف أن يتحول اهتمامي بالأرقام والتفاعل إلى باب من الرياء أو التعلق بثناء الناس. فكيف يحافظ الداعية الرقمي على الإخلاص والتوازن النفسـي وسط هذا العالم المزدحم بالمنافسة والأرقام؟
وعليكم السلام
ورحمة الله وبركاته، حياكِ الله أيتها الأخت الكريمة، وبارك الله في جهدك وحرصك
على نفع الناس، واعلمي أن من أخطر التحديات في العمل الدعوي الرقمي اليوم أن يتحول
الإنسان من (صاحب رسالة) إلى (أسير تفاعل)، فيقيس قيمة عمله بعدد الإعجابات
والمشاهدات لا بصدق النية والأثر الحقيقي.
ولا شك أن وسائل
التواصل صنعت بيئة تقوم على المقارنة المستمرة، حتى أصبح الإنسان يرى نجاحات
الآخرين أمامه طوال الوقت، وهذا قد يورّث شعورًا بالنقص أو الإحباط أو الاستعجال
في النتائج. لكن المؤمن ينبغي أن يتذكر أن معيار النجاح عند الله أوسع بكثير من
مقاييس المنصات الرقمية.
فقد ينتشـر محتوى
سريع لأسباب تقنية أو ترفيهية، بينما يبقى محتوى آخر أقل انتشارًا، لكنه أعمق
أثرًا وأطول بقاءً في القلوب. والهداية ليست دائمًا مرتبطة بالأرقام، بل قد تكون
كلمة صادقة تصل إلى شخص واحد فتغيّر حياته كاملة.
ومن المهم أن
تراجعي نيتك باستمرار، لا بخوف مرضي أو وسوسة، بل بمحاسبة متزنة للنفس. واسألي
نفسك دائمًا: هل أريد رضا الله أولًا؟ وهل أفرح بوصول الخير إلى الناس ولو لم
تُذكر أسمائي؟ فإن الإخلاص يحتاج إلى تجديد دائم، خاصة في الأعمال الظاهرة.
وفي الوقت نفسه،
لا حرج في تطوير الأسلوب وتحسين جودة الطرح والإخراج، لأن الإتقان مطلوب شرعًا،
وقد قال النبي ﷺ: (إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملًا أن يتقنه). لكن الفرق كبير بين
تحسين الوسائل لخدمة الرسالة، وبين تحويل الرسالة إلى مجرد وسيلة للشهرة.
وحاولي أن تجعلي
لك وردًا من الأعمال الخفية التي لا يطلع عليها أحد؛ كقيام الليل، أو صدقة سر، أو
دعاء خفي؛ لأن هذه الأعمال تحفظ القلب من التعلق المفرط بنظر الناس وثنائهم.
كما أن من المهم
ألا تربطي حالتك النفسية اليومية بالتفاعل الرقمي؛ فبعض صناع المحتوى يدخلون في
تقلبات نفسية حادة بسبب الأرقام، وهذا يستهلك القلب ويضعف الاستقرار النفسي
والإيماني. واجعلي لك حياة متوازنة خارج العالم الافتراضي: عبادة، وأسرة، وصديقات
صالحات، واهتمامات نافعة.
ولا تنسي أن
الدعوة الحقيقية ليست فقط في المقاطع والمنشورات، بل في الأخلاق والصدق والتواضع
والرحمة، فربما كان أثر شخص متواضع ثابت أعظم عند الله من شخص يملك انتشارًا
واسعًا بلا إخلاص أو توازن.
وتذكري دائمًا أن
الله ينظر إلى القلوب والنيات قبل المظاهر والأرقام، قال تعالى: ﴿وَمَا
أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾.
ونسأل الله أن
يرزقك الإخلاص والثبات والقبول، وأن يجعل كلماتك نورًا وهداية، وأن يحفظ قلبك من
الرياء والعجب والإحباط، وأن يبارك في جهود كل من يسعى لنشر الخير والهدى.
روابط ذات صلة:
الشاب والدخول في دوامة المقارنات النفسية عبر مواقع التواصل
كيف ننجو من فخ مقارنة حياتنا بحياة الآخرين؟
قياس الأثر والنجاح في البرامج الدعوية غير المرئية