الإستشارة - المستشار : د. رجب أبو مليح محمد
- القسم : العبادات
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
64 - رقم الاستشارة : 4612
21/04/2026
أعرف سيدة سريعة الغضب، قليلة الصبر ، عادتها هي الدعاء على الأبناء والزوج وكثير من خلق الله، تدعو على الأقارب والمعارف بمجرد ذكر أسمائهم أمامها. فهل إذا دعت على أولادها بدخول نار جهنم أو الموت أو عدم التوفيق في الحياة عند أقل هفوة (أقصد أنها تجاوزات صغيرة في حقها) فهل يستجيب مثل ذلك الدعاء على أشياء بسيطة ؟ وهل يستجيب الله الدعاء إذا لم يكونوا تجاوزوا فب حقها بأي شيء كبيرا كان أو صغيرا؟
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد:
فأهلاً بكِ يا ابنتي. هذه الحالة التي تصفينها مؤلمة، وتُلقي بظلال ثقيلة من القلق والتوتر على الأسرة، وإن "سلاح الدعاء" الذي جعله الله وسيلة للصلة به، حوّلته هذه السيدة -للأسف- إلى أداة تخويف وهدم.
اختصارًا: دعاء الوالد على ولده، أو الزوجة على زوجها بغير حق أو لسبب تافه هو دعاء بـ "إثم وقطيعة رحم"، والأصل في هذا النوع من الدعاء أنه لا يُستجاب؛ لأن الله عدل لا يظلم أحدًا، ولا يعاقب الأبرياء بمجرد انفعالات غاضب. ومع ذلك، يُنهى الوالدان عن هذا السلوك بشدة خشية أن يوافق ساعة استجابة، لكن رحمة الله بعباده أوسع من غضب البشر، وبالطبع لا يسقط هذا عن أبنائها حق البر والطاعة قدر الإمكان؛ فنحن مأمورون ببر الآباء من غير المسلمين فضلا عن العصاة أو المرضى.
ومن الأحاديث الواردة في هذا الباب:
قال ﷺ: "لا تَدْعُوا علَى أَنْفُسِكُمْ، وَلَا تَدْعُوا علَى أَوْلَادِكُمْ، وَلَا تَدْعُوا علَى أَمْوَالِكُمْ، لا تُوَافِقُوا مِنَ اللهِ سَاعَةً يُسْأَلُ فِيهَا عَطَاءٌ، فَيَسْتَجِيبَ لَكُمْ" رواه مسلم، والنهي هنا للتحذير من "المصادفة"، لكن العلماء قالوا إن الله بفضله يصرف السوء عن الأبرياء.
وقال ﷺ: "يُستجاب لأحدكم ما لم يدعُ بإثم أو قطيعة رحم"، والدعاء بالموت أو النار على مؤمن بغير حق هو قمة "الإثم وقطيعة الرحم"، فهو ممنوع من الاستجابة بنص الحديث.
القواعد الفقهية الحاكمة:
1. "الجزاء من جنس العمل": فلا يُعاقب المحسن بدعاء المسيء عليه.
2. "لا ضرر ولا ضرار": الدعاء على الأبناء بغير حق إلحاق ضرر بهم، وهو محرم شرعًا.
3. "الضرورات تبيح المحظورات": (في سياق المرض) إذا كان الغضب خارجًا عن الإرادة فقد يُعذر صاحبه، لكنه لا يُبرر الاستمرار في الأذى.
4. "الأصل في الدعاء الاستجابة ما لم يدعُ بإثم": وهذا هو الضابط الشرعي لرد الدعاء الجائر.
ولكن إجابة الدعاء ليست آلية ميكانيكية تنطلق بمجرد النطق بالكلمات، بل هي مرهونة بضوابط، منها:
1. وقوع الظلم: الله يستجيب دعوة المظلوم ولو كان كافرًا، لكنه لا يستجيب دعوة الظالم على المظلوم. فإذا كان الأبناء لم يسيئوا إليها، فدعاؤها "عدوان" والعدوان مردود على صاحبه.
2. خلفية الداعي: الشخص الذي يدعو على "كل خلق الله" وبمجرد ذكر الأسماء، هو شخص سقطت هيبة دعائه ومصداقيته، ويُعامل دعاؤه عند الله معاملة "اللغو" الناتج عن سوء الخلق أو اضطراب النفس.
3. رحمة الله: الله أرحم بالأبناء من أمهم، فكيف يستجيب لأمٍ تدعو على فلذة كبدها بنار جهنم لسبب تافه؟ هذا يتنافى مع صفة الرحمة والعدل.
ولكن قبل الحكم الشرعي أو الأخلاقي على هذه السيدة، يجب النظر في حالها فسرعة الغضب المفرطة والدعاء المستمر على الجميع قد تكون مؤشرًا على نوع من الاضطرابات النفسية مثل الاكتئاب أو غيره من الأمراض النفسية والعصبية، أو عندها خلل في الهرمونات خاصة إن كانت في عمر انقطاع الطمث وما يصاحبه من تغيرات فسيولوجية، أو قد تكون السيدة تعاني من احتراق نفسي جراء ضغوطات الحياة، مما يجعلها تنفجر في "هفوات" بسيطة وبالتالي تكون مريضة معذورة قبل أن تكون متهمة مدانة، نسأل الله لنا ولها العفو والعافية.
آراء العلماء في دعاء الوالدين على أبنائهم:
• العلماء قاطبة: اتفقوا على تحريم دعاء الوالدين على الأبناء بغير حق.
• ابن حجر الهيتمي: اعتبر أن الدعاء على الولد بغير حق هو من "الكبائر"؛ لأنه نوع من العقوق العكسي والقطيعة.
• الإمام المناوي: أوضح أن الدعاء المستجاب هو الذي يصدر عن قلب محروق بظلم حقيقي، أما دعاء "الغضب المعتاد" أو "سرعة الغضب" فلا يُلتفت إليه.
• الشيخ ابن عثيمين: سُئل عن امرأة تدعو على أولادها دائمًا، فأفتى بأن هذا الدعاء لا يستجاب لأنه دعاء بإثم، ونصح الأبناء ألا يخافوا منه بل يبروا أمهم ويصبروا عليها.
وبالتالي فلا تخافوا من دعائها، فالله ليس بظلام للعبيد. استوعبوها قدر الإمكان، وحاولوا إيصالها لمختص طبي، واعلموا أن صبركم على سوء خلقها ودعائها هو باب من أبواب الجنة، بينما هي المسؤولة أمام الله عن لسانها، إلا إن كانت معذورة. والله تعالى أعلى وأعلم.
روابط ذات صلة:
دعاء الأم على ابنها وزوجته في جوف الكعبة
أمي كثيرة الدعاء علينا.. ماذا نفعل؟!
من آداب الدعاء ووسائل الاستجابة