الإستشارة - المستشار : أ. فتحي عبد الستار
- القسم : مناهج الدعوة ووسائلها
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
4 - رقم الاستشارة : 4692
29/04/2026
أنا شاب أُحب نشر الآيات والأحاديث والأذكار والنصائح الدينية على وسائل التواصل، لكني أفرح بالإعجابات والتعليقات والمشاركات. وأحزن لو كانت قليلة.
فهل هذا يعد رياء؟
وكيف أُجاهد نفسي للإخلاص على هذه الوسائل؟
مرحبًا بك يا ولدي، وأشكرك على تواصلك معنا، وعلى سؤالك الذي ينم عن مراقبة دقيقة لنوازع النفس، وحرص على الإخلاص لله عز وجل. أسأل الله العلي القدير أن يثبِّتك على طاعته، وأن يرزقك الإخلاص في القول والعمل، وأن يجعل ما تنشره حجة لك لا عليك، وأن يعمر قلبك بحبه ورضاه، وبعد...
طبيعة وسائل التواصل
فإن العمل الدعوي عبر وسائل التواصل الاجتماعي هو قيام على ثغر من ثغور الإسلام في هذا العصر، وهو وسيلة عظيمة لإيصال الخير للناس؛ لكن هذه الوسائل صُممت بطريقة تداعب «الأنا» وتستثير شهوة الظهور من خلال الإعجابات والتعليقات والمشاركات، مما يجعل مجاهدة النية فيها أشد وأصعب من غيرها.
إن وقوفك مع نفسك هذه الوقفة ومحاسبتها هو دليل خير بإذن الله، فالمنافق لا يخاف على نفسه النفاق، والمؤمن هو الذي يخشى على عمله من حبوط الأجر.
هل الفرح بالإعجابات والحزن لقلتها يُعد رياءً؟
يجب هنا أن نفرِّق بين سرور النفس الطبيعي، وبين الرياء المحبط للعمل:
- السرور الفطري (عاجل بشرى المؤمن):
ليس كل فرح بنتيجة العمل يعد رياءً. فالمؤمن يفرح إذا استشعر قبول الله عمله، ويفرح إذا رأى أثر دعوته يصل إلى الناس. وقد سُئل النبي ﷺ: أرأيت الرجل يعمل العمل من الخير، ويحمده الناس عليه؟ فقال: «تِلكَ عَاجِلُ بُشرى المؤمن» [رواه مسلم].
فإذا كان أصل نيتك هو ابتغاء وجه الله، ثم رأيت تفاعلًا أسرَّك لكونه علامة على وصول الخير للناس، أو مؤانسة لك في طريق الدعوة، فهذا ليس رياءً مذمومًا؛ بل هو من فضل الله، كما قال تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس: 58].
- الحزن لقلة التفاعل:
أما الحزن عند قلة المشاركات، فيجب أن ننظر في سببه: فإذا كان حزنك لأن الخير لم يصل لعدد أكبر من الناس، أو لأنك شعرت بتقصير في جودة عرضك للمادة الدينية، فهذا حزن محمود ودافع للتطوير.
أما إذا كان الحزن بسبب «جرح الأنا» أو الشعور بفقدان المكانة بين المتابعين، فهنا تكمن الخطورة، وهذا هو مدخل الشيطان لإفساد نيتك.
- متى يكون رياءً؟
يكون العمل رياءً إذا كان المحرك الأساسي لك هو نظر الناس؛ لا نظر الخالق. فإذا كنت لا تنشر إلا ما تظن أنه سيجلب «لايكات» كثيرة، وتترك ما هو أنفع للناس لخوفك من قلة التفاعل، أو إذا تركت العمل بالكلية لأن الناس لم يمدحوك، فهنا يكون الإخلاص قد اهتز. يقول الفضيل بن عياض: «ترك العمل من أجل الناس رياء، والعمل من أجل الناس شرك، والإخلاص أن يعافيك الله منهما».
كيف تجاهد نفسك لتحقيق الإخلاص؟
المجاهدة عملية مستمرة، والقلب سُمي قلبًا لشدة تقلبه، وإليك هذه الخطوات العملية لترسيخ الإخلاص:
1- تجديد النية قبل النقر على زر النشر:
اجعل لنفسك وقفة قصيرة قبل نشر أي منشور. اسأل نفسك: لماذا أنشر هذا؟. حاول أن تستحضر نية خفية لا يعلمها إلا الله، مثل: «اللهم إني أنشر هذا لعلّ تائهًا يهتدي به»، أو: «اللهم اجعلها صدقة جارية لي ولوالديَّ». يقول النبي ﷺ: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى» [متفق عليه].
2- ادخار خبيئة من عمل صالح:
لكي توازن ظهورك على وسائل التواصل، يجب أن تكون لك أسرار مع الله لا يعلم بها أحد. صلِّ ركعات في جوف الليل، تصدَّق بصدقة سر، صم يومًا دون أن تخبر أحدًا، أو اذكر الله كثيرًا في نفسك. هذه الخبايا هي رصيد الإخلاص الذي يحمي أعمالك الظاهرة من الانهيار.
كان زين العابدين علي بن الحسين يحمل جراب الخبز على ظهره بالليل فيتصدق به، ولم يُعرف ذلك إلا بعد موته حين انقطع الطعام عن بيوت المساكين، ووجدوا أثرًا على ظهره.
3- تعديل نظرتك للتفاعل:
تذكَّر دائمًا أن القبول عند الله لا يقاس بالأرقام. فقد يأتي النبي يوم القيامة وليس معه أحد، وقد يضع الله البركة في شخص واحد يقرأ منشورك فيتوب بسببه، وهذا عند الله خير من ملايين الإعجابات الفارغة. تذكر قوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ [البينة: 5].
4- التعامل مع الإعجابات كأداة لا غاية:
انظر إلى عدد الإعجابات والمشاركات كأداة لقياس مدى انتشار نفع المنشور، لا كأداة لقياس قيمتك الشخصية. إذا كثُرت فقل: «الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، اللهم استعملني ولا تستبدلني»، وإذا قلَّت فقل: «اللهم اجعل القليل مباركًا، وارزقني القبول عندك».
5- الدعاء المستمر بالثبات:
كان من أكثر دعاء النبي ﷺ: «يا مقلِّب القلوب ثبِّت قلبي على دينك» [رواه الترمذي]. فاستعن بالله دائمًا، وقل: «اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم، وأستغفرك لما لا أعلم».
وختامًا يا ولدي، إن شعورك بالقلق تجاه نيتك هو في حد ذاته صك أمان من الرياء بإذن الله؛ لأن المرائي لا يقلق؛ بل يغترُّ.
استمر في نشر الخير، ولا يصدنَّك الشيطان عن الدعوة بحجة الخوف من الرياء، فإن ترك العمل خوفًا من الرياء هو رياء أيضًا كما ذكرنا. فاجعل همك الرسالة لا الرسول، وستجد أن لذة القبول عند الله تغنيك عن ضجيج الإعجابات كلها.
اللهم يا حليم يا عليم، يا من يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، أسألك أن تطهر قلوبنا من النفاق، وأعمالنا من الرياء، وألسنتنا من الكذب. اللهم ارزق هذا الشاب إخلاصًا يبلِّغه رضاك، واجعل عمله خالصًا لوجهك الكريم، لا يجعل فيه لأحد غيرك نصيبًا. اللهم ثبِّته، وبارك في أثره، واجعله هاديًا مهديًّا، ولا تفتنه بثناء الناس، ولا توحشه بقلة التفاعل، واجعل أنسه بك، وطمأنينته في ذكرك.
وصلِّ اللهم وسلِّم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.