كيف أحرص على صلاة النوافل وأواظب عليها؟

Consultation Image

الإستشارة
  • المستشار : د. عادل عبد الله هندي
  • القسم : مناهج الدعوة ووسائلها
  • التقييم :
  • عدد المشاهدات : eye 629
  • رقم الاستشارة : 3014
19/10/2025

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أنا طالبة جامعية في مرحلة من حياتي أشعر فيها بحاجة ماسّة لتقوية صلتي بالله تعالى، والارتقاء بعلاقتي بربي، خاصة عبر العبادات التي تفتح القلب وتضيء الروح. غير أنني أعاني من مشكلة متجذّرة في نفسي منذ نشأتي؛ إذ كبرتُ على اعتقاد خاطئ مفاده أن صلاة النوافل ليست مهمة، وأنها أمر ثانوي لا يستحق المواظبة.

ورغم أنني قرأت كثيرًا عن فضل النوافل، وحاولت مرارًا أن أغيّر هذا الاعتقاد، إلا أنني أجد نفسي أضعف أمام العادة القديمة، وأتراجع سريعًا عن الاستمرار في المحافظة عليها. أشعر أنني أضيّع خيرًا كثيرًا، وأني مقصّرة في حق نفسي وديني.

ولذا جئت إليكم ألتمس منكم توجيهًا نافعًا، وطريقة عملية وفعّالة تُعينني على القضاء على هذا الاعتقاد الخاطئ، وتزرع في قلبي حبّ النوافل والحرص عليها، حتى أواظب عليها كما ينبغي.

وجزاكم الله خيرًا على ما تقدمون من نصح وإرشاد.

الإجابة 19/10/2025

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته

 

أهلاً بكِ أيتها الأخت الكريمة، وبارك الله فيكِ على صدق نيتكِ، وحسن توجّهكِ، وسعيكِ الحثيث للتقرّب من الله. أسأل الله أن يفتح لكِ أبواب رحمته، وأن يعينكِ على طاعته، وأن يجعلكِ من المكثرات من النوافل، حتى تفوزي بمحبّة الله ورضوانه.

 

مشكلتكِ -أيتها الفاضلة- ليست غريبة، بل يشارككِ فيها كثير من الشباب والفتيات الذين نشأوا على غفلة أو على مفاهيم غير دقيقة. لكن الجميل أن قلبكِ قد استيقظ، وأنكِ الآن تسعين لتصحيح المسار. وسأضع بين يديكِ جملة من المحاور المرتبطة ببعضها، لتنتقلي من مرحلة الاعتقاد الخاطئ إلى اليقين الصحيح، ومن مرحلة التردد إلى مرحلة المواظبة، وإلى الجميع الآتي:

 

معنى النوافل ومكانتها في الإسلام

 

النوافل هي الصلوات الزائدة على الفرائض، مثل السنن الرواتب، وقيام الليل، وصلاة الضحى، والوتر، وصلاة الاستخارة. وقد جعلها الإسلام بابًا واسعًا للتقرّب إلى الله بعد إتمام الفرائض. قال تعالى في الحديث القدسي: (وما يزال عبدي يتقرّب إليّ بالنوافل حتى أحبّه) فهذه الكلمة العظيمة تكشف أن النوافل طريقٌ إلى محبّة الله، وأي شرف أعظم من أن يحبّك الله؟

 

الفرق بين الفرض والنافلة

 

قد يظن بعض الناس أن كون النوافل غير واجبة يعني أنها غير مهمّة. وهذا خطأ شائع.. فالفرائض هي أساس الدين، وأداؤها يضمن للعبد النجاة. أما النوافل فهي بمثابة السياج الذي يحمي الفرائض، والزاد الذي يرفع الدرجات.

 

وقد شبّه العلماء حال المسلم الذي يقتصر على الفرائض فقط، كمن يزرع شجرةً ثم لا يسقيها إلا بما يبقيها حيّة بالكاد، بينما النوافل هي الماء الغزير الذي يجعلها مثمرة وارفة الظلال.

 

قال الله تعالى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ [السجدة: 16]. وهذه الآية في قيام الليل، وهو من أعظم النوافل، وقال عز وجل: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ * وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ [الشرح: 7-8]. والمعنى: إذا فرغت من الفرائض، فأقبل على النوافل، ولا يكن فراغك خمولا.

 

ويقول النبي ﷺ: «من صلى اثنتي عشرة ركعة في يوم وليلة، بني له بهن بيت في الجنة» (رواه مسلم)، وقال ﷺ: «ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها» (رواه مسلم)، وكان ﷺ يحافظ على الوتر حضرًا وسفرًا، حتى قال ابن عمر: "كان النبي ﷺ يصلي الوتر على راحلته" (رواه البخاري)، فهذه النصوص تدل على أن النوافل ليست هامشية، بل هي كنوز عظيمة.

 

ولقد كان أبو بكر الصديق رضي الله عنه شديد الحرص على قيام الليل وصلاة الضحى، وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: "لو نمتُ بالنهار ضيّعت رعيّتي، ولو نمتُ بالليل ضيّعت نفسي". فكان يقوم الليل معظم وقته، والإمام الشافعي رحمه الله كان يُقال إنه يختم القرآن في قيام الليل مرات، فهؤلاء الذين عظّم الله شأنهم لم يكتفوا بالفرائض، بل جعلوا النوافل زادًا لهم.

 

 الجانب النفسي والعملي للتخلص من الاعتقاد الخاطئ

 

* التصحيح المعرفي: يجب أن تكرري لنفسكِ أن النوافل مهمة جدًّا، فهي التي تُكمل النقص في الفرائض يوم القيامة. قال ﷺ: «أول ما يُحاسب عليه العبد يوم القيامة الصلاة، فإن صلحت فقد أفلح وأنجح، وإن فسدت فقد خاب وخسر. فإن انتقص من فريضته شيء، قال الرب: انظروا هل لعبدي من تطوّع؟ فيُكمل بها ما انتقص من الفريضة» (رواه أبو داود والنسائي وصححه الألباني).

 

* التدرج: لا تحاولي أن تبدئي بجميع النوافل دفعة واحدة، بل ابدئي بالسنن الرواتب، ثم صلاة الضحى، ثم الوتر، ثم قيام الليل.

 

* الربط بالحب لا بالواجب: اجعلي دافعكِ حب لقاء الله، لا مجرد الخوف من العقوبة.

 

* التحفيز العملي: اكتبي على ورقة فضل كل نافلة وضعيها في مكان بارز، ليتجدد في قلبكِ الوعي بأهميتها.

 

وفي عصرنا، يمكن الاستفادة من الوسائل الحديثة للمواظبة على النوافل:

 

* استخدمي التطبيقات الإسلامية للتذكير بمواقيت السنن.

 

* كوّني مجموعة من الصديقات الصالحات للتواصي بصلوات النوافل.

 

* اجعلي لكِ دفترًا تسجلين فيه التزامكِ اليومي، فالمتابعة تزيد الحافز.

 

 وأختم جوابي ببعض النصائح العملية؛ ربما تساعدك: 

 

1. احرصي على ركعتي الفجر دائمًا، فهي أخف النوافل وأعظمها أجرًا.

 

2. اجعلي الوتر ختام يومكِ، ولا تتركيه مهما حصل.

 

3. اجتهدي في أن يكون لكِ ورد قيام ولو ركعتين قبل النوم.

 

4. إذا فاتتكِ نافلة، فاقضيها، كما كان النبي ﷺ يقضي السنن إذا فاتته.

 

5. اجعلي النوافل وقت أنس وراحة، لا وقت ثقل أو إكراه.

 

أيتها الأخت المباركة، اعلمي أن النوافل ليست مجرد زيادة في الأجر، بل هي صلة خاصة بين العبد وربه، وهي طريق محبّة الله وولاية الله. فثابري عليها، وستجدين أثرها نورًا في القلب، وبركة في الوقت، وطمأنينة في الحياة. أسأل الله أن يشرح صدركِ لها، وأن يوفقكِ للمواظبة عليها، وأن يجعل لكِ من كل نافلة درجـة في الجنة، ومن كل ركعة نورًا في قلبكِ.

 

روابط ذات صلة:

مقصِّر تجاه القرآن والنوافل بسبب الإرهاق... فما الحل؟

أهمية النوافل في حياة المسلم

الرابط المختصر :