الإستشارة - المستشار : د. عادل عبد الله هندي
- القسم : مناهج الدعوة ووسائلها
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
187 - رقم الاستشارة : 4126
15/02/2026
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أنا متابع للشأن الدعوي، وألاحظ في الآونة الأخيرة انتشار أسلوب مقلق في نقد بعض الدعاة والعلماء، حيث تُضخَّم أخطاؤهم، وتُلصق بهم أوصاف خطيرة، ويُرمَون بالكذب أو البدعة، بل ويُقدَّمون أحيانًا على أنهم أخطر على الأمة من أعدائها، وذلك بسبب خلافات في مسائل اجتهادية أو تقديرية.
هذا الخطاب يثير في نفسـي قلقًا شديدًا؛ لما يحمله من تشويه، وفرقة، وإرباك لعامة الناس. فكيف نتعامل مع هذه الظاهرة؟ وما المنهج الشـرعي المتزن في نقد الدعاة دون تهويل أو تفريط؟
وعليكم السلام
ورحمة الله وبركاته، حياك الله أخي الكريم، وبارك في وعيك وحرصك؛ فإن أخطر ما
يُصيب العمل الدعوي أن تُكسَر هيبته من الداخل، لا بسقوط القيم، بل بسوء تنزيلها.
وظاهرة التهويل في النقد من أخطر الآفات؛ لأنها تُلبس ثوب الغَيرة، وهي في
حقيقتها باب للغلو والفرقة.
أولًا:
ما التهويل في النقد؟ ولماذا هو خطير؟
التهويل هو تضخيم
الخطأ، ونزعِه من سياقه، وتحميله ما لا يحتمل، ثم البناء عليه بأحكام قاسية تُخرج
المخطئ من دائرة القَبول أو الأمان العلمي والدعوي. وخطورته لا تكمن في النقد ذاته، بل في
نتائجه؛ إذ يُحوِّل الخلاف العلمي إلى صراع نفسي، ويزرع الشك في قلوب العامة،
ويُضعف الثقة في الخطاب الدعوي كله.
ثانيًا:
ضوابط شرعية حاكمة للنقد
النقد في
الإسلام عبادة، لكنه عبادة منضبطة، ومن أهم ضوابطها:
1. العدل
والإنصاف،
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ
شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ﴾ [النساء: 135]. فالعدل لا يسقط مع المخالفة، ولا يُلغى
بسبب الاختلاف.
2. الرفق في
الأسلوب،
وقد أمر الله به حتى مع أعتى الطغاة، قال تعالى: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا﴾
[طه: 44] فكيف يُنزَع الرفق عند نقد من يشهد أن لا إله إلا الله؟
3. التثبّت قبل
الحكم،
قال تعالى: ﴿إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: 6].
والكثير
من التهويل مبناه النقل المجتزأ أو السماع المشوَّه.
ثالثًا:
أسباب شيوع ظاهرة التهويل، ومن أبرز دوافعها:
• الهوى
والتعصّب للاتجاه أو الشيخ.
• الجهل بمراتب الخطأ والخلاف.
• الخلط بين الغَيرة والغلو.
• التقليد الأعمى دون وعي بالمنهج.
• الرغبة في إسقاط الرموز بدل مناقشة الأفكار.
رابعًا:
المنهج الصحيح في التعامل مع أخطاء الدعاة
1. التمييز بين الخطأ الاجتهادي والانحراف
المنهجي؛
فليس كل خطأ بدعة، ولا كل اجتهاد ضلالة، والخلاف في مسائل الاجتهاد بابُ سَعة لا
سيف إقصاء.
2. الموازنة
بين الحسنات والسيئات، ونُسِبَ إلى الإمام الذهبي رحمه الله:
(ولو أن كل من أخطأ في اجتهاده أهدرناه، لقلّ من يسلم من الأئمة)، فالعدل يقتضـي
رؤية الصورة كاملة، لا لقطة واحدة مكبّرة.
3. نقد الفكرة لا إسقاط الشخص؛
فالدعوة لا تُبنى على تصفية الأشخاص، بل على تصحيح المسارات.
4. مراعاة
المقاصد والمآلات: اسأل نفسك قبل أن تتكلم: هل هذا النقد يُصلح؟ أم
يَشُقّ الصف؟ هل يقرّب الناس من الحق؟ أم يُنفّرهم من الدين؟
5. الالتزام
بآداب الخلاف، وقد قيل بحق: كلام الأقران يُطوى ولا يُروى؛ لأنه
غالبًا مشوب بالمنافسة البشرية.
خامسًا:
نماذج من منهج السلف في الاختلاف
• قال
الإمام الشافعي: ما ناظرتُ أحدًا إلا تمنيت أن يُجري الله الحق على لسانه.
• وكان الإمام أحمد يُوقّر المخالف، ولا
يُسقطه لأجل اجتهاد.
• وكان ابن تيمية يفرّق بوضوح بين الحكم على
القول، والحكم على القائل.
• وكان الشافعي كما حكى السبكي في طبقات
الشافعية، يعلّم تلاميذه كراهية المعصية لا العاصي.
سادسًا:
وصايا عملية للمتابع والداعية
1. تذكّر
أن الدعاة بشر، يُصيبون ويخطئون.
2. اجعل مقصدك الإصلاح لا التشهير.
3. قدّم النصيحة الخاصة على الفضيحة العلنية.
4. لا تكن جسرًا لنقل التجريح.
5. ارجع في الخلاف إلى الكتاب والسنة بفهمٍ متزن.
ختامًا:
إن الدعوة لا
يحميها الصراخ، ولا يخدمها التهويل، وإنما يحفظها العدل، والرفق، والحكمة. وتذكّر قول النبي ﷺ: (ما كان الرفق في
شيء إلا زانه، وما نُزع من شيء إلا شانه)، فكن ممن يُطفئ نار الفتنة،
لا ممن يَنفخ فيها باسم الغَيرة، ونسأل الله تعالى أن يعيننا وإياكم على طاعته،
وأن يستخدمنا في مرضاته.
روابط ذات صلة:
كيف أتعامل مع الانتقادات اللاذعة في طريق الدعوة؟
كيف أتخلص من حساسيتي تجاه النقد؟
التعامل مع النقد الإعلامي والمجتمعي للدعوة دون ضعف أو تصادم