الإستشارة - المستشار : أ. فتحي عبد الستار
- القسم : التوبة والإنابة
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
21 - رقم الاستشارة : 4676
27/04/2026
أنا شاب غير متزوج، أُجاهد نفسي لأبتعد عن المشاهد غير اللائقة عبر التلفاز والهاتف، لكنني حين أراها صدفة أو تُعرض في إعلان أو عمل درامي، أجد قلبي يتأثر وأحيانًا يُفتن، فأقبل على النظر والمتابعة. ثم أشعر بالضعف، وألوم نفسي كثيرًا.
فهل هذا دليل على ضعف الإيمان؟
وكيف أتخلص من هذا الضعف؟
وكيف أعالج قلبي من آثار هذه المشاهد؟
مرحبًا بك يا بني، وأشكرك على تواصلك معنا، وأسأل الله أن يثبتك على الحق، ويطهِّر قلبك، ويحصِّن فرجك، ويصرف عنك كيد الشيطان ومكره، وأن يرزقك الزوجة الصالحة التي تقر بها عينك وتسكن إليها نفسك، وبعد...
فإن ما تجده في صدرك من ضيق بعد الوقوع في الخطأ، وما تعانيه من صراع داخلي بين داعي الهوى وداعي الإيمان، هو في الحقيقة علامة حياة القلب. فالقلب الميت لا يتألم من الجراح، أما قلبك الذي يتوجع من المعصية فهو قلب حيَّ لا يزال يعرف ربه.
إننا -مع الأسف- نعيش في عصر انفتحت فيه أبواب الفتن من كل حدب وصوب، حتى صرنا -عبر الهواتف- نحملها معنا في أيدينا وجيوبنا أينما ذهبنا. وأصبح غض البصر يحتاج إلى جهاد مضاعف، فاستعن يا بني بالله ولا تعجز.
هل هذا دليل على ضعف الإيمان؟
ليس بالضرورة؛ بل إن شعورك بالندم هو عين الإيمان. فالله -عز وجل- أقسم بالنفس اللوامة في القرآن الكريم: ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ * وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾ [القيامة: 1 و2]. ويقول النبي ﷺ: «كل بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون» [رواه الترمذي]. فالمؤمن ليس معصومًا، ولكنه أواب. ولوم نفسك دليل على أن نور الإيمان في قلبك يرفض هذا الظلام.
الفتنة والضعف البشري
تأثرك بالمشاهد التي تراها دون تعمد هو طبيعة بشرية؛ فالعين لها نهم، والقلب يميل للمغريات. والضعف هنا هو ضعف الإرادة في لحظة معينة، وليس ذهاب الإيمان. إن الإيمان -لا شك- يزيد وينقص؛ يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، وما تشعر به هو نقص عارض يحتاج إلى جبر بالاستغفار.
كيف تتخلص من هذا الضعف؟
إن الإنسان خُلق ضعيفًا، ومهمته في هذه الدنيا أن يقاوم هذا الضعف، ويعينه على ذلك ما يلي:
1- قاعدة «النظرة الأولى»:
يجب أن تدرك أن الشيطان يدخل من باب المصادفة والفجأة. وقد قال رسول الله ﷺ لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه: «يا علي، لا تتبع النظرة النظرة، فإن لك الأولى وليست لك الآخرة» [رواه أبو داود]. فبمجرد أن يظهر لك إعلان أو مشهد غير لائق، اصرف بصرك فورًا، قبل أن تتحول النظرة إلى فكرة، والفكرة إلى شهوة.
2- الفرار من الفتنة:
لا تضع نفسك في مواجهة الريح ثم تشتكي من البرد، لذا أنصحك بتطهير جهازك من التطبيقات التي تعرف أنها بوابة للشر. وحاول ألا تستخدم الهاتف ولا تشاهد التلفاز وأنت وحيد في غرفتك خلف أبواب مغلقة؛ فالخلوة هي ميدان الشيطان الأكبر.
3- الصوم الوقائي:
أرشدنا النبي ﷺ لعلاج طاقة الشباب بالصوم: «يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج... ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء» [متفق عليه]. فالصوم يكسر حدة الشهوة ويربي الإرادة.
4- ملء الفراغ:
القلب إن لم تشغله بالحق شغلك بالباطل. فابحث عما تشغل به قلبك ووقتك، من دراسة، أو هواية نافعة، أو رياضة، أو حفظ للقرآن... إلخ، تشغل به وقتك، فكما قال أحد السلف: «إن النفس مثل الرحى التي تدور، فإن وضعتَ فيها حَبًّا أخرجت دقيقًا، وإن وضعت فيها ترابًا أخرجت غبارًا».
كيف تعالج قلبك من آثار هذه المشاهد؟
المشاهد المحرمة تترك نُكتة (بقعة) سوداء في القلب كما أخبر النبي ﷺ. ولغسل هذا الأثر أنصحك بالآتي:
1- التوبة النصوح والاستغفار
التوبة تمحو ما قبلها. قال تعالى: ﴿إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَٰئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ [الفرقان: 70]. فاعلم أن كل دمعة ندم تذرفها قد تبدل تلك الخطايا إلى حسنات في صحيفتك.
2- إتباع السيئةَ بالحسنة
هذا قانون رباني: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: 114]. ويُروى أن رجلًا أتى النبي ﷺ قد أصاب من امرأة قُبلة (إثمًا دون الزنى)، فأنزل الله هذه الآية. فكلما نظرت إلى حرام، سارع إلى محو هذه السيئة بحسنة، مثل: الاستغفار، أو صلاة ركعتين، أو إخراج صدقة، أو ذكر الله بالتسبيح وغيره. فإن فعلت هذا بعد كل سيئة سيكره الشيطان أن يدفعك للمعصية إذا وجدك تنقلب بعدها إلى طاعة.
3- استحضار مراقبة الله
تذكَّر أن الله -تعالى- يراك حين تعصيه بنعمة البصر التي وهبك إياها. واستحضر قوله عز وجل: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر: 19]. وأنك لو كنت جالسًا مع شخص تحترمه وظهر مشهد غير لائق، فهل ستتابعه؟ بالتأكيد لا حياءً منه. فالله أحق أن يُستحيا منه.
4- كثرة الدعاء
ادعُ الله -عز وجل- دائمًا بالتثبيت، فقد كان أكثر دعاء النبي ﷺ: «يا مقلب القلوب ثبّت قلبي على دينك» [رواه الترمذي]. وإن القلب سُمي قلبًا لسرعة تقلبه، فاستعن بخالقه عليه.
وختامًا يا بني، إن الطريق إلى الله ليس ممهدًا دائمًا؛ بل فيه عثرات، والمؤمن الحق ليس من لا يسقط أبدًا؛ بل من إذا سقط قام ونفض الغبار عن ثوبه واستأنف المسير. فلا تدع الشيطان يقنطك من رحمة الله، فاليأس جند من جنوده ليجعلك تستمر في المعصية.
اللهم ثبت قلب هذا الشاب على دينك، اللهم طهر قلبه من النفاق، وعمله من الرياء، وعينه من الخيانة. اللهم أغنه بحلالك عن حرامك، وبفضلك عمن سواك. اللهم اجعل له نورًا في قلبه، ونورًا في بصره، وقوة في إرادته، واصرف عنه الفتن ما ظهر منها وما بطن.
وصلِّ اللهم وسلِّم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
روابط ذات صلة:
المشاهد الإباحية تلاحقه في صلاته.. كيف ينساها؟
تحوَّل من مشاهدة الإباحية إلى قراءتها وسماعها.. ظلمات بعضها فوق بعض!