كيف يتعامل الداعية مع الشبهات الفكرية المنتشرة بين طلاب الجامعات؟

Consultation Image

الإستشارة 14/06/2026

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أنا طالب جامعي أشارك أحيانًا في الأنشطة الدعوية داخل الجامعة، وقد لاحظت في السنوات الأخيرة انتشار نوع جديد من الشبهات الفكرية بين الطلاب، فبعضهم يتحدث عن الدين وكأنه مجرد تراث تاريخي، وآخرون يتأثرون بمقاطع قصيرة أو منشورات مجهولة تثير الشكوك حول السنة النبوية أو الأحكام الشرعية أو ثوابت الإسلام، بل إن بعض الشباب صار يعتبر الالتزام الكامل بالدين نوعًا من (التشدد) أو (الرجعية).

والمشكلة أن كثيرًا من هؤلاء ليسوا أصحاب عداء صريح للدين، بل هم شباب مترددون أو متأثرون بالأجواء الفكرية المحيطة، وأحيانًا أشعر بالحيرة في طريقة الحوار معهم.. فهل أواجههم بالردود العلمية المباشرة؟ أم أركز على الجوانب الإيمانية والتربوية؟ وكيف يستطيع الداعية أن يعالج هذه القضايا دون أن يتحول الحوار إلى خصومة فكرية جافة؟

الإجابة 14/06/2026

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، حياك الله أيها الأخ المبارك، وزادك الله حرصًا وفقهًا وبصيرة، فإن التعامل مع الشبهات الفكرية المعاصرة من أعظم التحديات الدعوية في هذا العصر، خاصة مع الانفتاح الإعلامي الهائل، وسهولة انتقال الأفكار عبر المنصات الرقمية دون ضوابط علمية أو تربوية.

 

ومن المهم أولًا أن تدرك أن كثيرًا من الشباب الذين يتأثرون بهذه الشبهات لا يبحثون بالضرورة عن الانحراف، بل يبحثون عن الطمأنينة والمعنى والإجابات المقنعة، لكنهم يعيشون في بيئة تمتلئ بالضجيج الفكري والمحتوى السريع، فيتلقون الأسئلة قبل أن يملكوا أدوات الفهم أو العلم الراسخ.

 

ولهذا فإن من الخطأ أن يتحول الخطاب الدعوي إلى مجرد حالة دفاع متوتر أو ردود غاضبة، لأن بعض الشبهات لا تُعالَج فقط بالمعلومة، بل تُعالَج أيضًا ببناء الثقة بالله وبالقرآن وبمنهج الإسلام، وإحياء المعاني الإيمانية في القلب.

 

وقد كان القرآن الكريم يجمع بين مخاطبة العقل والقلب معًا، فمرة يدعو إلى التفكر، ومرة يوقظ الفطرة، ومرة يربط الإنسان بالله والآخرة، ولهذا فإن الداعية الناجح لا يكتفي بإلقاء المعلومات المجردة، بل يحاول أن يبني داخل المدعو حالة من اليقين والسكينة والتوازن النفسي والفكري.

 

ومن المهم كذلك أن تفرِّق بين أنواع الأشخاص الذين تحاورهم؛ فليس كل من يطرح شبهة يكون معاندًا. فهناك من يسأل لأنه متردد، وهناك من يسأل بدافع الفضول، وهناك من تأثر بمحتوى معين ولم يجد من يوضح له الصورة. ولهذا قال الله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾، فجعل لكل مقام أسلوبه المناسب.

 

ومن الأخطاء التي يقع فيها بعض الدعاة أنهم يستهينون بالأسئلة الفكرية الجديدة أو يكتفون باتهام الشباب بالضعف أو قلة الإيمان، بينما الواجب أن نفهم طبيعة العصر وأسئلته وتحدياته، وأن نقدم خطابًا يجمع بين الأصالة والوعي بالواقع. فالداعية اليوم يحتاج إلى فقه الواقع وفقه المآلات وفقه الأولويات، حتى لا يعالج الناس بعقلية بعيدة عن مشكلاتهم الحقيقية.

 

كما أن عليك ألا تدخل في نقاش علمي فيما لا تحسنه، فالتواضع العلمي من علامات النضج، وإذا واجهتك شبهة لا تعرف جوابها فارجع إلى أهل العلم الموثوقين، ولا تتكلف الكلام بغير علم، قال تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾.

 

ومن الوسائل المهمة أيضًا بناء العلاقات الإنسانية الطيبة داخل البيئة الجامعية، لأن كثيرًا من الشباب لا يتأثر فقط بقوة الحجة، بل يتأثر كذلك بالأخلاق، والرحمة، والاحترام، والقدوة العملية. وربما كان حسن خلقك وثباتك واتزانك سببًا في إعادة الثقة بالدين عند شخص فقد هذه الثقة بسبب نماذج سيئة أو خطابات منفرة.

 

وحاول أن تركز في دعوتك على بناء المعاني الكبرى: تعظيم الله، ومحبة القرآن، واليقين بالآخرة، وجمال الشريعة، ورحمة الإسلام بالإنسان، لأن هذه المعاني إذا استقرت في القلب أصبحت الشبهات أضعف تأثيرًا.

 

ولا تيأس من بطء النتائج، فبعض الشبهات تُزرع في العقل خلال سنوات، وتحتاج إلى صبر وحوار واحتواء حتى تزول آثارها. والداعية الصادق لا يبحث عن الانتصار اللحظي في الجدل، بل يبحث عن هداية القلوب.

 

ونسأل الله أن يثبت شباب المسلمين على الحق، وأن يحفظ عقولهم من الانحراف والاضطراب، وأن يرزق الدعاة الحكمة والبصيرة والرحمة، وأن يجعلنا جميعًا من الهداة المهتدين.

 

روابط ذات صلة:


الرابط المختصر :