كيف تتخلص الجامعية الملتزمة من وسواس الرياء؟

Consultation Image

الإستشارة
  • المستشار : أ. فتحي عبد الستار
  • القسم : وساوس وشكوك
  • التقييم :
  • عدد المشاهدات : eye 22
  • رقم الاستشارة : 4668
24/04/2026

أنا طالبة جامعية ملتزمة بالحجاب الشرعي وأحافظ على صلاتي، وأتحدث أحيانًا مع زميلاتي عن الدين، لكنني أُحس في داخلي أنني أفعل هذا كي يُقال عني ملتزمة، وأجد المكانة بينهن والتوقير منهن.

لا أريد هذه النية؛ بل أُحاربها، لكنني لا أعلم هل أنا مخلصة فعلًا أم فقط أتجمل بصورة التدين!

الإجابة 24/04/2026

مرحبًا بك يا ابنتي، وأشكرك على تواصلك معنا، وأسأل الله العلي القدير أن يثبِّتك على طاعته، ويصفِّي قلبك من كل كدر، ويجعلك من عباده المخلصين الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، وبعد...

 

فإن ما تشعرين به يا ابنتي ليس علامة على النفاق ولا الرياء المحض؛ بل هو دليل على حياة قلبك ويقظة ضميرك. فالمرائي الحقيقي لا يبالي بنيته ولا يخاف من ضياع الإخلاص، أما المؤمن الصادق فهو الذي يفتش في زوايا نفسه ويخشى عليها من «الشرك الخفي».

 

يقول التابعي الجليل الحسن البصري عن الرياء أو النفاق: «ما خافه إلا مؤمن، ولا أمنه إلا منافق». لذا، فإن قلقك هذا هو أولى خطوات الإخلاص.

 

ولقد كان السلف الصالح يعانون أشد المعاناة في تصحيح النية، ولم يكن الأمر عليهم سهلًا، وهذا يطمئنك بأنك لستِ وحدك في هذا الطريق:

 

يقول سفيان الثوري: «ما عالجت شيئًا أشد عليَّ من نيتي؛ لأنها تتقلب عليَّ».

 

ويُروى أن أحد العُبَّاد كان يصلي في المسجد، فسمع حركة خلفه، فجوَّد صلاته وأطالها ليراه الداخل بصورة حسنة، ثم انتبه لنفسه فالتفت فإذا هو كلب قد دخل المسجد! فبكى وقال: ويلك يا نفس، تحسنين صلاتك لكلب ولا تحسنينها لرب العالمين!

 

فمدافعة الرياء هي عبادة مستمرة، والمجاهدة فيها تؤجَرين عليها صبرًا وإخلاصًا.

 

رياء أم وسوسة؟

 

يجب يا ابنتي أن نُفرق بين النية والخاطر في الرياء. فالنية هي أن تقومي بالفعل من أجل الناس ابتداءً، أما الخاطر فهو شعور عارض يطرأ عليك أثناء العمل أو بعده بأن الناس يراقبونك أو يوقرونك.

 

إن محاربتك لهذه النية وكرهك لها دليل قطعي على أنك لا تريدينها، وهذا بحد ذاته إخلاص. فالشيطان حين يرى طالبة ملتزمة مثلك، لا يأتيك ليقول لك: «اتركي الصلاة»، ولا: «اخلعي الحجاب»؛ لأنك لن تطيعيه؛ بل يأتيك من باب النية ليحزنك، ويهز ثقتك بنفسك، حتى تتركي الحديث عن الدين وتعتزلي الدعوة خوفًا من الرياء.

 

الاستئناس بالقرآن والسُّنة

 

لقد عظَّم الله شأن النية في كتابه الكريم، فقال سبحانه: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ [البينة: 5]. والإخلاص هو إفراد الله بالقصد في الطاعة.

 

وفي السنة النبوية، نجد القاعدة الذهبية التي وضعها النبي ﷺ: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى» [متفق عليه]. فما دمتِ في قرارة نفسك تحبين الله وترغبين في رضاه، فإن هذا هو أصل عملك، وما يطرأ بعد ذلك من حب التوقير من الناس هو غبار ينبغي نفضه؛ لا تركه يوقف مسيرك.

 

عاجل بشرى المؤمن

 

ليس كل سرور بثناء الناس يعد رياءً. فقد سُئل رسول الله ﷺ: أرأيتَ الرجل يعمل العمل من الخير، ويحمده الناس عليه؟ قال: «تلك عاجل بشرى المؤمن» [رواه مسلم].

 

فإذا التزمتِ بالحجاب لله، وصليتِ لله، ووعظت لله، ثم وجدتِ توقيرًا في قلوب زميلاتك بسبب ذلك، فهذا رزق ساقه الله إليك ليحبب إليك الطاعة، بشرط ألا يكون عذا التوقير هو المحرِّك الأساسي لفعلك.

 

خطوات عملية لمحاربة حب الظهور

 

1- العبادة الخفية: اجعلي لنفسك خبيئة من عمل صالح لا يعلم به أحد من زميلاتك ولا أهلك؛ (ركعتان في جوف الليل، صدقة سر، سجدة شكر طويلة). هذه الخبايا هي ترياق الرياء.

 

2- الدعاء: حافظي على دعاء النبي ﷺ: «اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم، وأستغفرك لما لا أعلم» [رواه أحمد].

 

3- الاستمرار في الدعوة: لا تتركي الحديث عن الدين لزميلاتك ودعوتهن بحجة الخوف من الرياء، فهذا من مكايد الشيطان. يقول الفضيل بن عياض: «ترك العمل من أجل الناس رياء، والعمل من أجل الناس شرك، والإخلاص أن يعافيك الله منهما».

 

4- تذكير النفس بعظمة الله: كلما شعرتِ برغبة في نيل مكانة عند زميلاتك، ذكِّري نفسك بأن قلوبهن بيد الله، وأن توقيرهن لك لا ينفعك في قبرك ولا عند الميزان إذا كان القلب خاليًا من الله.

 

وختامًا يا ابنتي، أنت على خير عظيم، وشعورك بالخوف على نيتك هو علامة الإيمان في قلبك. فاستمري في عملك الصالح، وكلما أتاك خاطر الرياء، قولي: «اللهم اجعلني خيرًا مما يظنون، واغفر لي ما لا يعلمون». بهذا لا تتجملين بصورة التدين، بل تجاهدين لتكوني صادقة، والمجاهد صابر مأجور بإذن الله.

 

قال الله تعالى: ﴿والَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت: 69]، وقال النبي ﷺ: «والمجاهدُ من جاهدَ نفسَهُ في طاعةِ اللَّهِ» [رواه أحمد].

 

حفظك الله ونوَّر دربك وشرح صدرك للحق. اللهم آمين.

 

روابط ذات صلة:

وساوس الرياء في الدعوة.. كيف أتعامل معها؟

الخوف من الرياء والوسوسة

الرابط المختصر :