الإستشارة - المستشار : د. رجب أبو مليح محمد
- القسم : فقه الأسرة
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
635 - رقم الاستشارة : 3567
15/12/2025
ما المقصود بقوله تعالى ﴿وَاللاَّئِي يَئِسْنَ مِنَ المَحِيضِ مِن نِّسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللاَّئِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُوْلاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وَمَن يَتَّقِ اللهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾ [الطلاق: 4] وهل يفهم من الآية جواز الزواج من الطفلة الصغيرة؟
بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد:
فهذه الآية الكريمة تتحدث عن أحكام العدة للمرأة المطلقة، وهي المدة التي تنتظرها المرأة بعد الطلاق أو وفاة الزوج قبل أن يحل لها الزواج مرة أخرى، ولا يفهم منها جواز البناء بالقاصرات كما فهم منها البعض.
العقد على الصغيرة محل خلاف بين الفقهاء
أما العقد على الصغيرة فمحل خلاف بين الفقهاء، لكنهم متفقون على عدم جواز البناء بها حتى تطيق واجبات الزواج من المعاشرة والحمل وتحمل المسئوليات.
وفي رأيي – ورأي الكثيرين - أن مرجع ذلك إلى العرف الصحيح المنضبط، ولا مانع من الرجوع إلى الأطباء الثقات العدول المسلمين في تحديد السن المناسبة للزواج، بغير إفراط ولا تفريط، فالأمر يختلف باختلاف الزمان والمكان والأحوال والأشخاص.
يقول الله تعالى: ﴿وَاللاَّئِي يَئِسْنَ مِنَ المَحِيضِ مِن نِّسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللاَّئِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُوْلاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وَمَن يَتَّقِ اللهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾ [الطلاق: 4].
حالات عدة المرأة المطلقة
والآية تتناول عدة حالات للمرأة المطلقة وكيفية حساب عدتها:
1. ﴿وَاللاَّئِي يَئِسْنَ مِنَ المَحِيضِ مِن نِّسَائِكُمْ﴾: هؤلاء هن النساء الكبيرات في السن اللواتي وصلن إلى "سن اليأس"، أي انقطع عنهن دم الحيض بشكل دائم بسبب كبر السن، وعدتهن ثلاثة أشهر قمرية. كلمة ﴿إِنِ ارْتَبْتُمْ﴾ أي إن شككتم هل انقطاع الدم بسبب الكبر أم لسبب آخر، فالحكم الواضح هو ثلاثة أشهر.
2. ﴿وَاللاَّئِي لَمْ يَحِضْنَ﴾: والمقصود هنا النساء اللاتي بلغن سنًّا يُتوقع فيه الحيض عادةً، ولكنهن لم يحضن بعد لسبب خِلْقي أو مرضي، أو قد تُطلق وهي صغيرة السن لم تبلغ المحيض بعد، وعدتهن أيضًا ثلاثة أشهر، قياسًا على الآيسة، لعدم وجود حيض يمكن حساب العدة به.
3. ﴿وَأُوْلاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾: والمرأة الحامل، سواء كانت صغيرة أو كبيرة، تحيض أو لا تحيض. عدتها تنتهي بوضع حملها (الولادة)، سواء طالت المدة أو قصرت.
ثم جاءت الخاتمة، تذكير عظيم يربط الأحكام الشرعية بتقوى الله. فمن يلتزم بهذه الحدود، ويصبر على تطبيقها رغم صعوبتها أحيانًا، فإن الله ييسر له أموره ويفرج كربه ويجعل له مخرجا ﴿وَمَن يَتَّقِ اللهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾.
هل تفيد الآية جواز الزواج من الطفلة الصغيرة؟
نعم، فهم عدد من المفسرين والفقهاء قديمًا من عبارة ﴿وَاللاَّئِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ أنها تشمل الحالة التي يتم فيها عقد الزواج على فتاة صغيرة لم تبلغ المحيض، ثم يقع الطلاق قبل الدخول أو بعده. بناءً على هذا، فإن عقد الزواج على الصغيرة كان أمرًا معروفاً في أعراف مجتمعات سابقة، والآية جاءت لتبين حكمًا فقهيًّا متعلقاً بالطلاق إذا وقع في هذه الحالة النادرة.
ولكن المهم جدًّا أن نفرّق بين أمرين: عقد الزواج (النكاح): وهو مجرد إيجاب وقبول بين الولي والزوج. والدخول (المعاشرة الزوجية): وهو أمر مختلف تمامًا.
ومن أعظم مقاصد الزواج في الإسلام هو تحقيق السكن والمودة والرحمة، كما قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ (الروم: 21). فهل يمكن تحقيق السكن والمودة والرحمة مع طفلة غير قادرة جسديًّا ونفسيًّا وعقليًّا على تحمل مسؤوليات الزواج؟
شرط الفقهاء الأهلية والقدرة على الوطء
لذلك، اشترط الفقهاء الأهلية والقدرة على الوطء (المعاشرة) كشرط للدخول، وهذا لا يتحقق إلا بالبلوغ الجسدي والنضج النفسي. قالوا: "لا تُسلَّم الزوجة الصغيرة لزوجها حتى تطيق الجماع"، وتحديد هذه الطاقة يرجع إلى بنيتها الجسدية والنفسية.
ثمة أمر آخر في غاية الأهمية يغفل عنه بعض الدارسين تغير الأعراف والأحوال، فما كان مقبولا في عهد النبي ﷺ وصحبه الكرام لم يعد مقبولا الآن، فالشاب كان يخرج للجهاد بعد العاشرة أو الثانية عشرة من عمره، والمرأة كانت تتحمل المسئولية وربما تبلغ الحلم وهي بنت تسع سنين، فأين نحن الآن من هذا؟
فإن الفتوى كالكائن الحي، تعيش في زمانها ومكانها وبيئتها، وليست أحكامًا جامدة لا تتغير بالزمان والمكان.
والقاعدة الشرعية العظيمة تقول: "لا ضرر ولا ضرار". وإجبار فتاة صغيرة غير مؤهلة على الزواج أو المعاشرة هو ضرر عظيم وظلم بيّن، والإسلام جاء لرفع الضرر والظلم.
ومن ثم اتفق علماء العصر الموثوقون، والمؤسسات الفقهية المعتبرة، على أن زواج الصغيرات فيه مفاسد عظيمة، وأنه يجب تحديد سن أدنى للزواج يضمن قدرة الفتاة على تحمل أعبائه، تحقيقًا لمقاصد الشريعة في حفظ النفس والعقل والنسل.
والله تعالى أعلى وأعلم
روابط ذات صلة:
زواج الأطفال.. بين فلسفة التشريع وتضليل المصطلح
زواج الأطفال حول العالم.. أرقام ونسب
ما يحل للمرأة المعتدة عدة وفاة الزوج
متى تبدأ عدة المتوفى عنها زوجها ..من الوفاة أو الفراق