الإستشارة - المستشار : د. رجب أبو مليح محمد
- القسم : فقه الأسرة
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
921 - رقم الاستشارة : 3877
20/01/2026
ما حكم الخطبة؟ وما الحكمة من تشريع الخطبة في الإسلام؟ وما المقاصد من وراء تشريعها؟
بسم الله، والصلاة والسلام على رسول
الله، وآله وصحبه ومن والاه، وبعد:
فالخِطبة مشروعة ومستحبة لمن أراد
الزواج، ولكنها ليست شرطًا لصحة الزواج ولا ركنًا من أركانه، والدليل على
مشروعيتها هو فعل النبي محمد ﷺ وسنته العملية، والمقصد الأساس من الخطبة هو
التعارف بين الخاطبين، حتى يتأكد كلا الطرفين من أن الطرف الآخر يناسبه من حيث
الخِلقة والخلق، والحديث وإن نص على النظر فإنه لا يقف عند النظرة السطحية
فقط، بل يتجاوزها إلى التعارف الذي يؤدي إلى الألفة والمحبة مستقبلاً.
الخِطبة في السنة المطهرة
روى الإمام
مسلم بسنده عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ قال: كنت عند النبي ﷺ فأتاه رجل فأخبره أنه تزوج امرأة من
الأنصار فقال له رسول الله ﷺ "أنظرت إليها؟" قال: لا. قال: "فاذهب
فانظر إليها فإن في أعين الأنصار شيئًا".
وروى الترمذي بسنده عن المغيرة بن
شعبة رضي الله عنه؛ أنه خطب امرأة فقال النبي ﷺ: "انظر إليها، فإنه أحرى
أن يؤدم بينكما”.
فمن خلال الأحاديث السابقة نرى أن
المقصد الأساس في مشروعية الخطبة، وإباحة النظر هو تعرف كلا الطرفين على الآخر،
والتأكد من مصداقيته في إتمام هذا العقد «عقد النكاح» وهو من أقدس العقود وأجلها،
وأنفس المعاملات وأطهرها.
ففي فترة الخطبة يقترب كلا الخاطبين
من الآخر -في حدود ما تسمح به الشريعة الإسلامية- ليتعرف على الأخلاق
الأساسية كالعفة والأمانة والكرم والنبل والشهامة، والتعرف على مواطن القوة ومواطن
الضعف عند كلا الخاطبين، بل يتجاوز هذا لمعرفة طريقة التفكير، والثقافة والتعليم
والمركز الاجتماعي، ويتجاوز ذلك كله إلى تعرف كلتا الأسرتين على الأخرى حيث إن هذا
الزواج إن تم فستنشأ بسببه علاقات اجتماعية، وواجبات أسرية تتجاوز الزوجين إلى
أسرتيهما الممتدة.
وأحسب أن الأمر بالنظر هنا يتجاوز
حدود النظرة الحسية إلى نظر كلا الخاطبين إلى صورة الآخر من حيث جمال الوجه أو
دمامته، وطول القامة أو قصرها، وغير ذلك من الصفات الخِلقية، فهي على الرغم من
أهميتها، فإن هذه النظرة تشملها وتشمل الجانب الأخلاقي، والأسرة والعادات
والتقاليد التي يعيش فيها كلا الخاطبين.
والحديث الشريف الذي أمر الخاطب
بالنظر، وعلل الحكم بأن في أعين الأنصار شيئًا حتى يكون الخاطب على بينة من أمره،
فلا يظلم زوجته بعد ذلك بسبب هذا العيب الخِلقي الذي لا يد لها فيه، ولا يمكنها
إصلاحه، ثم ذكر حكمة أخرى «فإنه أحرى أن يؤدم بينكما»، وظاهر النص وإن كان يتحدث
عن النظرة العابرة فإننا نرى أنه يحمل من المعاني الكثير، فهو يحث الخاطب
والمخطوبة على النظر الذي يتأكد كل منهما أن الآخر عنده ما يحصنه ويعفه عن الحرام.
ثم إن المشاهدة الحقيقية قد تحمل على
الارتياح القلبي والاطمئنان النفسي الذي يكون له الدور الأكبر في القبول أو الرفض،
ثم يأتي التعارف الأسري بين أهل الخاطب وأهل المخطوبة وتعرّف كلتا الأسرتين على
الأخرى من حيث المستوى الاجتماعي والثقافي والعلمي ليؤكد هذا المعنى أيضًا، ومن
خلال التعارف والتعامل فترة الخطبة تتأكد الصفات الخُلقية والسلوكية، سواء كانت
إيجابية أو سلبية، وكل ذلك لن يتأتى إلا عن طريق التعارف المباشر.
مقاصد تشريع الخِطبة وحكمتها
يمكننا إيجاز مقاصد تشريع الخطبة في
النقاط التالية:
أولا: التعارف المبدئي المشروع: الهدف
الأسمى للخِطبة هو أن يتعرف كل من الرجل والمرأة على شريك حياته المحتمل، وهذا
التعارف لا يعني الخروج غير المنضبط ولا الخلوة المحرمة لكنه يهدف إلى
معرفة الطباع، والأفكار، ومستوى التدين، والأهداف المستقبلية، وكل ما يساعد على
اتخاذ قرار سليم. هل هناك توافق فكري وروحي؟ هل يتقبل كل منهما الآخر؟ هذه الأسئلة
تجيب عليها فترة الخِطبة.
قال النبي ﷺ للمغيرة بن شعبة رضي الله
عنه وقد خطب امرأة: "انْظُرْ إِلَيْهَا، فَإِنَّهُ أَحْرَى أَنْ يُؤْدَمَ
بَيْنَكُمَا"؛ أي أجدر أن تدوم المودة والألفة بينكما.
ثانيًا: اتخاذ القرار عن بصيرة:
الزواج عقد عظيم وميثاق غليظ، كما سماه الله في كتابه: {وَأَخَذْنَ مِنكُم
مِّيثَاقًا غَلِيظًا} (النساء: 21). فلا يليق أن يُبنى هذا الميثاق على نظرة عابرة
أو معلومات سطحية.
الخِطبة تمنح كلًّا من الطرفين
وأهلهما فرصة للتفكير والتروي والسؤال والبحث، ليكون القرار مبنيًا على قناعة
ورضا، لا على عاطفة متسرعة قد تزول.
ثالثًا: تهيئة الأسرتين: الزواج ليس
علاقة بين فردين فقط، بل هو رباط يجمع بين أسرتين. فترة الخِطبة تتيح الفرصة لأسرة
الرجل وأسرة المرأة للتعارف والتآلف؛ ما يمهد الطريق لحياة زوجية مستقرة مدعومة من
الأهل، وهذا له أثر كبير في تجاوز أي عقبات مستقبلية.
رابعًا: حفظ كرامة المرأة والرجل:
عندما تكون الأمور واضحة ومعلنة في إطار الخِطبة، يُقطع الطريق على الشائعات
وأقاويل السوء. كما أنها تحفظ كرامة المرأة، فلا تكون عُرضة للقاءات غير جادة أو
علاقات عابرة لا تنتهي بزواج. وكذلك تحفظ للرجل جديته ومكانته.
والله تعالى أعلى وأعلم
روابط ذات صلة: