الإستشارة - المستشار : د. رجب أبو مليح محمد
- القسم : فقه الأسرة
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
220 - رقم الاستشارة : 4177
24/02/2026
طلقت زوجتي طلقة أولى ورجعتها بعد يومين. وطلقتها مرة ثانية وهي حامل بتوأم وبعدين أجهضت طفلاً واحدًا من حمل توأم. سؤالي هو لازم يكون عقد جديد؟
بسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله، وآله
وصحبه ومن والاه، وبعد:
فنوصي الأخ الكريم السائل بعدم الإسراف في الطلاق،
حتى لا يطلق الثالثة وساعتها لا يحق له مراجعة الزوجة لا بعقد جديد ولا بغير عقد،
حتى تنكح زوجًا غيره نكاحًا شرعيًّا مستوفيًا كافة أركانه وشروطه ثم يدخل بها على
نية الاستمرار والتأبيد، وإن حدث بينهما طلاق بغير اتفاق مسبق وأرادت أن ترجع إلى
زوجها، وأراد هو ذلك أيضا فيمكنها أن ترجع.
وفي واقعة السؤال إذا كان الطلاق شفويًّا وكانت هذه
الطلقة الثانية وليست الثالثة فلا تحتاج الرجعة إلى توثيق، فقط ينوي ذلك ويخبر
زوجته أو يعاشرها فتعود زوجة له، أما إن كان وثّق الطلاق في الجهات الرسمية فعليه
أن يوثق الرجعة بنكاح جديد.
الطلاق مرتان
يقول الله تعالى: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ
فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن
تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلاَّ أَن يَخَافَا أَلاَّ يُقِيمَا
حُدُودَ اللهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ فَلاَ جُنَاحَ
عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا وَمَن
يَتَعَدَّ حُدُودَ اللهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ * فَإِن طَلَّقَهَا
فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِن طَلَّقَهَا
فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يَتَرَاجَعَا إِن ظَنَّا أَن يُقِيمَا حُدُودَ
اللهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 229-
230].
جاء في التفسير الوسيط:
وبعد أن بيّن -سبحانه- في هذه الآية شرعية الطلاق
ومداه إذا طلق الرجل امرأته المدخول بها طلقة رجعية، ووضع المنهاج العادل الذي يجب
أن يتبعه الرجال والنساء.. بعد أن بيّن ذلك أتبعه ببيان الحد الذي ينتهى عنده ما
للرجل من حق المراجعة فقال -تبارك وتعالى-: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتانِ فَإِمْساكٌ
بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ﴾.
قال الإمام ابن كثير: هذه الآية رافعة لما كان عليه
الأمر في ابتداء الإسلام: من أن الرجل كان أحق برجعة امرأته وإن طلقها مائة مرة ما
دامت في العدة، فلما كان هذا فيه ضرر على الزوجات، قصرهم الله -تبارك وتعالى- على
ثلاث طلقات، وأباح الرجعة في المرة والثنتين وأبانها بالكلية في الثالثة فقال:
الطلاق مرتان... الآية.
وروى ابن أبى حاتم عن هشام بن عروة عن أبيه أن رجلاً
قال لامرأته: لا أطلقك أبدًا ولا آويك أبدًا. قالت: وكيف ذلك؟ قال: أطلق حتى إذا دنا أجلك -أي
قاربت عدتك أن تنتهي- راجعتك. فأتت المرأة إلى رسول الله ﷺ فذكرت له ذلك فأنزل الله -تبارك وتعالى-: الطَّلاقُ مَرَّتانِ - الآية.
الطلاق حل العصمة المنعقدة
والطلاق -كما يقول القرطبي- هو حل العصمة المنعقدة
بين الأزواج بألفاظ مخصوصة.
وأل في قوله: الطَّلاقُ مَرَّتانِ للعهد الذكري. أى: الطلاق الرجعى المشار إليه في قوله -تبارك وتعالى-: {وَالْمُطَلَّقاتُ
يَتَرَبَّصْنَ} مرتان، وأمر المطلق بعد إحدى هاتين الطلقتين يدور بين حالتين إما
إمساك بمعروف، بمعنى أن يراجعها على نية الإبقاء على العلاقة الزوجية، والمعاملة
الحسنة وإما تسريح بإحسان، بمعنى أن يتركها حتى تنتهي عدتها، ويطلق سراحها بدون
ظلم أو إساءة إليها، كما قال -تبارك وتعالى-: {وَسَرِّحُوهُنَّ سَراحاً جَمِيلًا}.
قال القرطبي: «والتسريح: إرسال
الشيء، ومنه تسريح الشعر ليخلص البعض من البعض، وسرح الماشية أرسلها..»، وعلى هذا
التفسير يكون المراد بالطلاق في الآية الطلاق الرجعى وبالمرتين حقيقة التثنية،
ويكون وقت الإمساك أو التسريح هو ما بعد الطلقة الأولى أو الثانية بصفة خاصة، وفي
كل الأوقات بصفة عامة. وعلى هذا التفسير سار كثير من العلماء.
الطلاق الشرعي
ويرى بعضهم أن المراد بالطلاق في الآية الطلاق
الشرعي، وبالمرتين التكرار لا العدد، وأن المراد من التسريح بالإحسان هو الطلقة
الثالثة، أي بعد الطلقتين الأوليين يتروى في الأمر فيمسك بالمعروف أو يطلق الطلقة
الثالثة.
وقد ذكر هذا الرأي صاحب الكشاف فقال: الطَّلاقُ
بمعنى التطليق كالسلام بمعنى التسليم، أي التطليق الشرعي تطليقة بعد تطليقة على
التفريق دون الجمع والإرسال دفعة واحدة، ولم يرد بالمرتين التثنية ولكن التكرير،
كقوله «ثم ارجع البصر كرتين» أى كرة بعد كرة لا كرتين اثنتين، ونحو ذلك من التثاني
التي يراد بها التكرير كقولهم: لبيك وسعديك.. وقوله: {فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ
تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ} تخيير لهم بعد أن علمهم كيف يطلقون بين أن يمسكوا النساء
بحسن العشرة وبين أن يسرحوهن السراح الجميل الذي علمهم إياه.. وروي أن سائلاً سأل
النبي ﷺ أرأيت قول الله -تبارك وتعالى-: الطَّلاقُ مَرَّتانِ فأين
الثالثة، فقال ﷺ «التسريح بإحسان».
والفاء في قوله -تبارك وتعالى-: {فَإِمْساكٌ}..
للتفريع، وإمساك خبر لمبتدأ محذوف والتقدير: فالشأن أو فالأمر إمساك بمعروف أو
تسريح بإحسان.
قال الفخر الرازي: والحكمة في إثبات حق الرجعة: أن
الإنسان ما دام يكون مع صاحبه لا يدري أنه هل تشق عليه مفارقته أولا؟ فإذا فارقه
فعند ذلك يظهر، فلو جعل الله -تبارك وتعالى- الطلقة الواحدة مانعة من الرجوع لعظمت
المشقة على الإنسان بتقدير أن يظهر المحبة بعد المفارقة، ثم لما كان كمال التجربة
لا يحصل بالمرة الواحدة، فلا جرم أثبت - سبحانه- حق المراجعة بعد المفارقة مرتين،
وعند ذلك يكون قد جرّب الإنسان نفسه في تلك المفارقة مرتين وعرف حال قلبه في ذلك
الباب.
فإن كان الأصلح إمساكها راجعها وأمسكها بالمعروف،
وإن كان الأصلح له تسريحها سرحها على أحسن الوجوه، وهذا التدريج والترتيب يدل على
كمال رحمته ورأفته بعباده.
هذا، ويرى بعض العلماء كابن تيمية وابن القيم أن
الرجل إذا أوقع الطلاق دفعة واحدة، بأن قال لزوجته أنت طالق ثلاث مرات، فطلاقه لا
يكون إلا طلقة واحدة؛ لأن اقتران الطلاق بكلمة ثلاثًا لا يجعله ثلاث مرات بل هو
مرة واحدة كمن يقول: أحلف بالله ثلاثًا فهو يمين واحدة.
ويرى الأئمة الأربعة أن طلاق هذا الرجل في مثل هذه
الصورة يقع ثلاثًا؛ لأنهم يرون أن الطلاق المقترن بالعدد لفظًا أو إشارة يكون ثلاثًا
أو اثنين على حسب ما اقترن به.
ولأن عمر- رضي الله عنه- أفتى بذلك؛ فقد أخرج مسلّم
وأبو داود والنسائي والحاكم عن ابن عباس قال: «كان الطلاق الثلاث على عهد رسول
الله ﷺ وعلى عهد أبي بكر، وسنتين من خلافة عمر واحدة، فقال عمر: إن
الناس قد استعجلوا في أمر لهم فيه أناة فلو أمضيناه عليهم» فأمضاه...أ. هـ باختصار
وتصرف.
والله تعالى أعلى وأعلم
روابط ذات صلة: