الإستشارة - المستشار : د. عادل عبد الله هندي
- القسم : مناهج الدعوة ووسائلها
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
8 - رقم الاستشارة : 5539
06/08/2026
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..
أنا مدير وحدة التحصين العقدي في مؤسسة شبابية دعوية تخصصية. نواجه موجة شرسة وزخمًا غريبًا من الشبهات الوجودية والفلسفية التي تروج للإلحاد الجديد والشكوك العقدية بين طلاب الجامعات والفتيات، والمدعومة بمحتوى رقمي جذاب. استشارتي تتعلق بـ "جمود وقصور الطرح الدعوي التقليدي في مواجهة الشبهات الإلحادية المعاصرة".
المشكلة تكمن في أن دعاتنا يواجهون هذه الموجة العميقة بأسلوب التكفير، أو الطرد، أو استخدام الردود الكلامية والنصوص القديمة الجافة دون فهم للمنطلقات العلمية والفلسفية للإلحاد المعاصر (كالداروينية والفيزياء الكونية)، مما يجعل الشاب المستشكل يشعر بعجز الداعية ويهرب نحو الإلحاد التام صامتًا.
حين نطالب بإلحاق الدعاة بدورات في الفلسفة الحديثة والعلوم الطبيعية، نجد معارضة بحجة أن قراءة هذه العلوم ضلال والواجب هو الاكتفاء بكتب الردود التراثية فقط.. كيف نطور ميدان الدعوة الفكرية لحماية عقائد الجيل بلغة تناسب معطيات العلم المعاصر؟
وعليكم السلام
ورحمة الله وبركاته، حياكم الله وبياكم أيها المدير الفاضل والمسؤول المبارك؛ إن
تشخيصك لجمود الطرح الدعوي في وجه الإلحاد المعاصر يلامس أخطر ثغور حماية الدين؛
فالموجات الفكرية الحالية لا تعتمد على الشبهات الفقهية الفرعية، بل تضرب أصل
الأصول وهو وجود الخالق سبحانه وصحة الوحي، وعجز الداعية عن التفكيك العلمي
والمنطقي للشبهة يعطي انطباعًا زائفًا بقوة الباطل وضعف الحق، وهو جناية على
الدعوة والشباب.
إنَّ المنهج
القرآني في بناء العقيدة ومواجهة الجحود والشرك هو منهج عقلي، برهاني، تجريبي،
ينطلق من إثارة العقول للتأمل في الآفاق والأنفس، واستخدام أدلة السبر والتقسيم
والسببية بقمة الذكاء والوضوح؛ وتأمل قوله سبحانه وتعالى في تحدي العقل البشري
الجاحد: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ * أَمْ
خُلِقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَل لَّا يُوقِنُونَ﴾ [الطور: 35-36].
وحين كان السلف الصالح يواجهون الجهمية والملاحدة في عصور المأمون والرشيد، درسوا
منطقهم وفلسفتهم وفككوها من داخلها (كما صنع الإمام أحمد بن حنبل في فتنة خلق
القرآن الكريم) ولم يكتفوا بمجرد الطرد والزجر الفوقي.
فالخطاب الدعوي
الذي يجهل مكتشفات العلم الحديث في علم الفلك، والخلية، والوراثة، ويعجز عن
استخدامها لإثبات إعجاز الخلق وصنع الصانع، هو خطاب يقصر عن الوفاء بمتطلبات ثغر
الدفاع العقدي، والله تعالى يحثنا على النظر والبحث العلمي بقوله: ﴿قُلِ
انظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [يونس: 101].
إن التطوير يفرض
تحويل وحدة التحصين العقدي من أسلوب "الدفاع الخائف والتكفير المنفر"
إلى مربع "الهجوم الفكري العلمي المنضبط والحوار العقلي الاحتوائي
البناء"؛ بتأهيل دعاتنا ليكونوا علماء بالشرع وبفلسفة العلوم المعاصرة في آن
واحد، ليتحدثوا بثقة وقوة تذيب أوهام الإلحاد.
ولتحقيق الكفاءة
في هذا الميدان الفكري نوصي باتخاذ القرارات التطبيقية التالية:
أولاً: بناء
برنامج "تأهيل متحدثي العقيدة" وهو دبلوم مكثف إلزامي لدعاة المؤسسة،
يشتمل على دراسة الفلسفة الحديثة، ومناهج البحث العلمي، ومكتشفات الفيزياء الحيوية
والكونية، وكيفية صياغتها كأدلة عقلية لإثبات وجود الله.
ثانيًا: إطلاق
"مركز الحوار الآمن والمستقل للشكوك العقدية"، وهو منصة (رقمية وواقعية)
سرية تمامًا، تتيح للشباب طرح أسئلتهم وشكوكهم الأكثر جرأة دون خوف من العقاب أو
التبديع، ويقوم عليها عقول دعوية شابة تحتويهم نفسيًّا وتجيبهم علمياً بقمة
الهدوء.
ثالثًا: إنتاج
مقاطع مرئية قصيرة تحت مسمى "العلم يدعو للإيمان"، تركز على تفكيك
أطروحات الإلحاد الشهيرة بلغة بصرية ثلاثية الأبعاد وعرض الحقائق البيولوجية
والفلكية التي تثبت التقدير والحكمة في الكون، لتصل للشباب عبر منصاتهم المفضلة
وتصنع لديهم مناعة فكرية ذاتية.
وأنصحك
ختامًا بما يأتي:
• صمم "دليل
معالجة الشبهات الوجودية للشباب" يبتعد تمامًا عن لغة السب والتهجم، ويركز
على الحجج المنطقية الصارمة واللطف التربوي والاحتواء النفسي للمستشكل.
• احرص على
استضافة أساتذة جامعيين متخصصين في العلوم الطبيعية (أطباء، فيزيائيين، فلكيين) من
أهل الإيمان، ليتحدثوا للشباب عن تلازم العلم والإيمان من واقع تخصصاتهم
الميدانية.
• لا تتردد في
فصل "الشاب الباحث عن الحق والشاك بسبب صدمة نفسية أو بيئية" عن
"الملحد المعاند المروج"، فالأول يحتاج رعاية وعلاجًا نفسيًّا موازيًا
للحوار العقدي.
وأسأل الله
العظيم أن يثبت قلوب شبابنا على الإيمان، وأن يجعلكم حصنًا منيعًا للدفاع عن
توحيده ونصرة دينه بعلم وحكمة وحجة بالغة.
روابط ذات صلة:
كيف نجدد آليات الحوار مع تيارات التشكيك المعاصرة؟
كيف نحاور الفئات المتأثرة بالإلحاد النفسي؟