الإستشارة - المستشار : أ. فتحي عبد الستار
- القسم : الأخلاق والمعاملات
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
598 - رقم الاستشارة : 3290
15/11/2025
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أنا سواء في الدوام أو بين الأهل والمعارف دايم أطيح في مواقف أحسّ إني مجبور أجامل فيها بعض الناس أو أُظهر رضا عن تصرفاتهم أو قراراتهم، رغم إني في داخلي ما أقتنع فيها، وأحيانًا أشوفها غلط أو ما ترضي الله.
أحيانًا أبتسم وأسايرهم بس علشان ما أسبب إحراج أو مشاكل، أو علشان ما يقولون عني قاسي أو ثقيل دم، خصوصًا لأني بطبيعتي أحبّ أكون لين وأحافظ على الودّ. لكن بعد كل موقف كذا، يجيني تأنيب ضمير قوي، وأبدأ ألوم نفسي: هل اللي أسويه يعتبر نفاق؟ ولا هي مجاملة عادية ما فيها شي؟
صرت محتار بين أمرين: أخاف أطيح في النفاق وأنا ما أدري، وأخاف بعد أكون صريح زيادة وأخسر الناس أو أجرحهم.
هل المجاملة المقبولة شرعًا لها حدود معينة؟ وكيف أعرف الفرق بين الكلمة الطيبة اللي تُعدّ من حسن الخلق، وبين الكلام اللي يعتبر تلوّن أو نفاق؟
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، ومرحبًا بك أخي الكريم، وجزاك الله خيرًا على ثقتك بنا. أسأل الله أن يشرح صدرك، ويهديك إلى القول السديد، ويجعلك من عباده الصادقين الذين يحبهم ويحبونه، ويهدي بك من حولك، وبعد...
فجميل أن يقف الإنسان مع نفسه وقفة صدق كهذه، يسائلها: هل ما أفعله يرضي الله؟ وهل سلوكي نابع من صفاء نية أم من مجاراة الناس؟ فالقلب الحي هو الذي يخشى أن يقع في النفاق من حيث لا يشعر، ويحرص أن يكون قوله وفعله لله وحده. فما دمت يا أخي تشعر بهذا الهم، فهذه علامة إيمان ويقظة، لا علامة نفاق وغفلة.
الفرق بين المجاملة والنفاق
إن النفاق -والعياذ بالله- كما بيَّنه النبي ﷺ ليس مجرد اللين في التعامل أو المداراة في الكلام؛ بل هو إظهار غير ما في القلب بنية الخداع أو طلب الدنيا، كما قال ﷺ: «آية المنافق ثلاث: إذا حدَّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان» [متفق عليه]. أما المجاملة الحسنة فهي من باب المداراة المأجورة لا المداهنة المذمومة.
وقد قال النبي ﷺ: «إنَّ الرِّفقَ لا يكونُ في شيءٍ إلَّا زانَه، ولا يُنزَعُ من شيءٍ إلَّا شانَه» [رواه مسلم].
والمداراة هي احتمال الأذى من الناس، وإظهار اللطف معهم، رغبة في تأليف قلوبهم على الخير، أو دفعًا لشرهم، من غير أن ترك للحق أو رضا بالباطل. أما المداهنة فهي ترك الدين طلبًا للدنيا، وموافقة الناس على الباطل. ولاحظ أن الفرق الجوهري بينهما هو في النية والمقصد.
حدود المجاملة المقبولة شرعًا:
إن الإسلام دين الرفق والذوق، لا الجفاء والفظاظة. وقد قال الله تعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة: 83]، وقال لنبيه ﷺ: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: 159]. فالكلمة الطيبة صدقة، والابتسامة عبادة، واللين سمة المؤمن.
لكن المجاملة تصبح محرَّمة حين تتجاوز الصدق إلى الإقرار بالباطل، أو مدح ما يغضب الله. فيجوز أن تجامل باللطف والاحترام، وأن تبتسم وتراعي مشاعر الناس؛ لكن لا يجوز أن تُظهر الرضا عن معصية، أو تمدح تصرفًا يخالف شرع الله، أو تشارك في حديث باطل لإرضاء أحد.
فإن رأيت تصرفًا لا يرضي الله، ليس عليك أن تواجه صاحبه بحدَّة، ولكن أيضًا لا تُظهر الرضا عنه؛ بل يمكنك أن تغيِّر الموضوع بلطف.
تأنيب الضمير بعد المجاملة
الشعور بالذنب بعد المجاملة هو دليل إيمان، وصدق، وخشية من الله. وقد قال النبي ﷺ: «البر ما اطمأنت إليه النفس، والإثم ما حاك في نفسك وكرهت أن يطّلع عليه الناس» [رواه مسلم]. فإذا وجدت في قلبك ضيقًا بعد موقف، فراجع نيتك: هل أردت بقولك وجه الله أم رضا الناس؟ فإن كانت النية لله، فاطمئن؛ وإن شعرت أنك بالغت، فاستغفر وتعلَّم، ولا تَقسُ على نفسك. فالمؤمن ليس معصومًا، ولكنه دائم المراجعة والتوبة.
كيف تكون صريحًا دون أن تخسر الناس؟
إن الصراحة لا تعني الغلظة ولا القسوة، كما أن اللين لا يعني النفاق والمداهنة، وقد قال ﷺ: «ما كان الرِّفقُ في شيءٍ إلَّا زانَه» [رواه مسلم]. فيمكنك أن تعبِّر عن رأيك بلغة راقية تحفظ الود. وهكذا تكون صادقًا دون أن تجرح، وتكسب احترام الناس بدل نفورهم.
والخلاصة أن المجاملة ليست نفاقًا ما دامت النية لله، والكلام صادقًا، والأسلوب رفيقًا.
كن لينًا بلا ضعف، وصادقًا بلا قسوة، وأخلص نيتك لله في كل كلمة تقولها. قال تعالى: ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الإسراء: 53]، وقال ﷺ: «إن من أحبّكم إليَّ وأقربكم مني مجلسًا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقًا» [رواه الترمذي].
أسأل الله أن يرزقك النية الخالصة له، وأن يرزقك الحكمة في القول والعمل، وأن يوفقك إلى أن تكون من أهل الصدق والرفق.
روابط ذات صلة: