السيولة الفكرية.. هل غابت الثوابت عن الإنسان المعاصر؟

نشهد في تلك الفترة ذوبان للثوابت والقيم الراسخة في أذهان بعض الناس وبخاصة الشباب.. فكيف نفهم هذه الحالة ولماذا تحدث؟

أخي الكريم، أصبح مفهوم الثوابت والقيم الراسخة لدى البعض مفهومًا متحفيًا؛ إذ لا يرى هؤلاء أن هناك ثباتًا قيميًّا، أو هناك مفاهيم راسخة ينبغي المحافظة عليها والاهتداء بها، وهؤلاء يرون أن السيولة هي ما يميز الغالبية من منظومات القيم في العالم المعاصر، وعلى هذا الأساس أصبح كل شخص يحدد قيمه وفق ما يريد وتبعًا لمصالحه، دون النظر إلى وجود معيارية يمكن القياس عليها.

 

هذه الحالة التي يعيشها بعض الأفراد والمجتمعات يُطلق عليها "السيولة الفكرية"، وهي مفهوم فلسفي واجتماعي يشير إلى حالة من عدم الثبات في الأفكار، القيم، والمعتقدات؛ إذ تصبح القناعات مرنة للغاية وقابلة للتغير السريع تماشيًا مع الظروف المحيطة، بدلاً من الاستناد إلى أسس صلبة ومستقرة.

 

مظاهر السيولة الفكرية في حياتنا المعاصرة

 

أخي الكريم، قد يكون من المفيد إبراز بعض مظاهر السيولة الفكرية في مجتمعاتنا المعاصرة؛ لأنه في ظل التراجع القيمي في ضبط السلوك والأفكار والرؤى، أصبحت حالة السيولة هي الطاغية، ومن مظاهر تجليها في الحياة:

 

* ضعف الانتماء: نشهد تراجعًا لمفهوم الانتماء في دوائره الكبيرة مثل الوطن والقبيلة والأفكار الكبيرة، حتى من يتحدث عن مفهوم الوطنية أو الاخلاص للأيديولوجيات الذي ميز بدايات القرن العشرين، يبدو أن صوته غير مسموع، وكأنه يتكلم عن مفردات غريبة على الأسماع، وتوازى مع هذا التراجع تضخم للانتماء للدوائر الفردية المحدود مثل الذات أو جماعة المصلحة الصغيرة أو المؤسسة التي تعبر عن مصالح فئة محدودة للغاية.

 

* سيادة النسبية القيمية: انتقلت النسبية من العلوم الطبيعية إلى مساحات القيم والأفكار، حيث تآكل مفهوم المرجعية لصالح الذات، وحوصرت الحقائق بشعار "كل شيء نسبي" أو كل شيء يخضع للرؤية الشخصية، وتبعًا لذلك كما يذكر المفكر "زيجمونت" في كتابه "الحداثة السائلة" أن العقل "السائل" يدرك أن المعارف، والقيم، والأفكار ليست قوالب جامدة أو حقائق مطلقة، بل تتغير بتغير السياق الزمني، الثقافي، والاجتماعي.

 

وفي هذه الحالة أصبح هذا العقل السائل يؤمن بتعدد الحقائق، فهو لم يعد مقتنعًا بوجود حقيقة ثابتة، ولم يعد مؤمنًا بوجود جواب نهائي في قضايا كبرى، مثل مفهوم العفة ونبذ الشذوذ؛ بل بات مقتنعًا بأنه لا يوجد جواب نهائي ولا قيمة مطلقة.

 

* تراجع سلطة المثقف والمفكر لصالح المؤثرين في العالم الافتراضي: نلمس في غالبية المجتمعات الإنسانية، مع استحواذ الرقمية على غالبية جوانب الحياة الإنسانية، أن هناك تراجعًا لدور الفيلسوف والمثقف والمفكر في تشكيل الرأي العام والتيار الفكري في المجتمع، لصالح ما يسمى بـ"المؤثرين" في العالم الافتراضي والإعلام، وهؤلاء أشخاص يستحوذون على أعداد هائلة من المتابعين دون أن يمتلكوا القدرات الفكرية والثقافية والفلسفية للتوجيه، وبعض هؤلاء المؤثرين يعبثون بقيم المجتمع عن غير قصد من خلال إبرازهم للأشياء التافهة وقشور الأفكار والآراء.

 

فشرعية المثقف في السابق كانت تُقاس بما حصل عليه من شهادات أكاديمية، وبما ينتجه من بحوث ودراسات وكتب، أما شرعية "المؤثر" فتُقاس بعدد متابعيه على مواقع التواصل الاجتماعي، وعدد المشاهدات لما يبثه في العالم الافتراضي.

 

* تحول المعرفة من العمق إلى منطق الاستهلاك السريع: استحوذ منطق الاستهلاك السريع على المجال المعرفي والثقافي، فأصبحت السوق رائجة للأفكار السطحية والساذجة والتافهة والتي تُعنى بتنمية الاستهلاك والموضات، وأخذت المعرفة العميقة تغيب بمؤشرات لا تخطئها العين، وأصبحت المعرفة تقدم في شكل "كبسولات" سريعة، مثل الوجبات الجاهزة التي تخلق امتلاءً بغير إشباع حقيقي.

 

* سيادة منطق السوق: أصبح منطق السوق يسيطر على غالبية الأشياء في الحياة بما فيها عالم الأفكار والقيم؛ فالفكرة شرعيتها بما تحقق من مكاسب، وكل شيء قابل للتسليع بما فيها الأفكار، وكل شيء خاضع لمنطق المساومة، وتغير القيمة والسعر حسب الظروف المحيطة.

 

وختامًا أخي الكريم، سيطرة منطق السيولة على حياة الإنسان المعاصر قد يحقق له بعض اللذة المؤقتة والمكاسب السريعة، إلا أن الاستمرار في هذه الحالة يفقد الإنسان المعنى في الحياة، ويُغيب مفهوم المعيارية من الحياة، وهذا التغييب شديدة الخطورة على طمأنينة الإنسان واستقراره النفسي.

 

موضوعات ذات صلة:

كيف تؤثر الرفاهية الاستهلاكية على حياتنا؟

الزواج وحفلات الاستهلاك الاستفزازي

ماذا نقصد بمفهوم النخبة وما أهميتها؟

ما علاقة الوعي الديني بتشكيل القيم الاجتماعية؟

كيف نظرت الفلسفة المادية لتطوير الذات؟

الأرباح وأزمة ظهور الشخصيات في الإعلام