ما هو موقع التزكية في المشروع الحضاري الإسلامي وهل الاهتمام بالتزكية سمة تميز حضارتنا الإسلامية؟
أخي الكريم، التزكية التي تعني التطهير والنماء
والزيادة، من السمات التي تميز المشروع الحضاري الإسلامي، الذي يهتم بتطهير الذات
والنفس من أمراضها، وبث الفضائل والسجايا الحسنة في أعماقها، بجانب التوحيد وتشييد
العمران؛ لذا كان بناء النفس يسير مع العمران، وكلاهما مرتكز على التوحيد.
التزكية بين توجيه السماء ومسؤولية الإنسان
أخي الكريم، في استشارة سابقة بعنوان "مكانة التزكية في الرؤية الحضارية الإسلامية؟" ذكرنا أن التزكية تُعنى بباطن الإنسان في تخليته
من أمراض النفس كالحسد والحقد، وتحلية ظاهره بالتمسك بفضائل السلوك والأخلاق، ونظرًا
لأهميتها فقد وردت الإشارة إليها في القرآن الكريم في (59) موضعًا.
ونظرًا لمكانة التزكية في الفلسفة الأخلاقية الإسلامية
التي لا تنفصل عن المشروع الحضاري، وجدنا اهتمامًا مكثفًا بالتزكية، فنجد مثلاً
"الحارث المحاسبي" (المتوفى: 243هـ) تحدث عن فلسفتها وأهميتها في كتابه
"أدب النفوس" قائلاً: "والتطهير هو الانتقال عن الشر إلى الأساس
الذي يُبنى عليه الخير... ومَن لم يتطهر قبل العمل فإن الشر يمنع العبد من منفعة
الخير؛ فترك الشر أولى بالعبد، ثم يطلب الخير بعد، والنفس تجزع من التطهير وتفر
إلى أعمال الطاعات لثقل التطهير عليها وخفة العمل بالطاعات بلا طهارة".
هذا الملمح العظيم الذي أشار إليه "المحاسبي"
ذو أهمية، فترك النفس بلا تزكية، ثم قيام الإنسان بالإنجاز الحضاري المادي، فإن
ذلك يحول الإنسان إلى وحش مرعب متسلح بالعلم والمعرفة والقوة، ومنزوع الضمير
والأخلاق، وهو ما صاغه الشاعر "نزار قباني" في مقولته الشهيرة: "لقد
لبسنا قشرة الحضارة والروح جاهلية"؛ ولذلك كان المفكر "مالك بن
نبي" لا يقصر التزكية على الجانب الصوفي الوجداني، ولكن يربطها بنهضة الأمة
وتوجيه طاقات الإنسان الحضارية نحو الفاعلية والإنجاز إلى جانب الالتزام الأخلاقي.
أخي الكريم، لم تعط الفلسفة المادية التزكية أهمية في
مشروعها الحضاري، ولا في مناهجها التربوية والأخلاقية، ولكن انصرف اهتمامها وجهدها
نحو العقل المادي باعتباره الركيزة الأساسية في التحضر القائم على السيطرة
والعمران والرفاهية المادية، وهو ما يؤكده الفيلسوف "طه عبد الرحمن" في
كتابه "روح الحداثة" من أن الحداثة أوجدت تحولاً جذريًّا بتقديمها
العقل والمادة على الغيب والروح، وهذا أدى إلى سيطرة النزعة العقلية البحتة
والتجريبية على حساب القيم الروحية التقليدية.
وكان الدكتور "عبد الوهاب المسيري" يرفض مبدأ
اختزال الإنسان إلى بُعد واحد هو البعد المادي، مؤكداً أن حاجة الإنسان للروح
والأخلاق تتجاوز حدود المنفعة المادية.
أخي الكريم، الفلسفة المادية نقلت التزكية من أطرها
الإيمانية الدينية إلى منطق التحليل النفسي من إخراج للمكبوت من المشاعر
المخزنة في الوعي وفي اللاوعي، أما الحداثة فنقلت التزكية إلى التنوير والعقلانية،
وبذلك انفصلت الروحانية عن منطقها ومنزعها الديني.
أخي الكريم، المتأمل للرؤية الإسلامية للتزكية يجد
أنها ربطتها بجوانب عقدية وعبادية واجتماعية تضمن لها التجدد والاستمرار
والازدهار، فعلى سبيل المثال ربطتها بشعائر الإسلام من صلاة وزكاة وحج وصيام، فهذه
الشعائر العبادية لها مردوها في التزكية وتنقية النفس من شوائها، وتنقية المجتمع
من أخطائه، كما أن بين الجوانب الاجتماعية مثل صلة الأرحام والصدقات والعطف على
الأيتام والمشاركة في الخير وبين التزكية وشائج قوية من الصلات تضمن التماسك
الاجتماعي.
موضوعات
ذات صلة:
ما دور التزكية في الإصلاح الاجتماعي؟