ماذا نقصد بإجهاد الشفقة وهل يؤثر هذا النوع من الإجهاد على قدرتنا في اتخاذ القرارات الجيدة؟
أخي الكريم..العواطف
والمشاعر لها تأثيرها على تفكيرنا وقدرتنا على اتخاذ القرارات، وفي بعض الأحيان قد
تمارس نوعا من التعمية والتضليل، فلا يستطيع الإنسان أن يبصر الحقيقة والواقع كما
هو، ومن تلك المشاعر ما يسمى بـ"إجهاد الشفقة" أو "إجهاد
التعاطف" هو حالة من الاستنزاف الجسدي والعاطفي والنفسي تصيب الأشخاص الذين
يقدمون الرعاية أو الدعم المستمر للآخرين، فالتعرض لصدمات الآخرين بصورة مستمرة له
انعكاس على تفكيرنا ومشاعرنا.
الشفقة..هل هي فضيلة؟
أخي الكريم..الشفقة شعور
إنساني راقي يعبر عن الرحمة والتعاطف تجاه الآخرين، وتكون الشفقة مصوبة برغبة
صادقة في مساعدتهم وتقديم العون لهم والعمل على تخفيف معاناتهم وآلالامهم.
لكن استمرار الشخص
لفترة طويلة في هذه الحالة يصيبه بالإجهاد العاطفي والجسدي، وقد يعرضه لأزمات
نفسية كالاكتئاب، وربما انقلب هذا الإجهاد لنوع من جمود المشاعر والتبلد الشعوري،
وكما يقول الأديب السعودي الراحل "غازي القصيبي":"الشفقة عاطفة
رقيقة يصعب أن تدوم إذا تعرضت لهجوم يومي مدمر".
وقد انتقد بعض الفلاسفة الغربيين الشفقة، فرآها بعضهم
شعورا مؤذيا مثل "نيتشه" فقال :"إن الشفقة ليست شعورًا غيرَ
متبادلٍ وغيرَ متكافئٍ بطبيعته فحسب، بل إنها مؤذية أذىً متعمدًا من ناحية أنها
تفاقم الضعف"، أما فيلسوف التشاؤم "شبنهاور" فرآها نفيا للحياة
وممارسة عدمية فقال:" لقد تجرأ
الناس على وصف الشفقة بالفضيلة .. بل إنهم ذهبوا إلى أبعد من ذلك بجعلها
عين الفضيلة؛ أساس ومصدر كل الفضائل، لكن لا ينبغي أن يغيب عن أذهاننا أن هذا
المنظور مأخوذٌ من فلسفة عدمية نقشت نفيَ الحياة على درعها".
وقد اهتم علماء التربية والأخلاق المسلمون
بالشفقة، ورأوها فضيلة تنبع من فيض الرحمة في النفس، وأنها دليل
على السمو الروحي والإنساني، وكتب عنها "ابن مسكويه" (المتوفى سنة
421هـ) وهو أحد روائد الفلسفة الأخلاقية في كتابه "تهذيب الأخلاق" معتبرا الشفقة والرحمة تنبعان من تهذيب
"النفس الغضبية" وترويضها لتصبح أفعال الخير سهلة وطبيعية دون مشقة أو
تكلف.
أما الفيلسوف "الفارابي" صاحب
المدينة الفاضلة، فاهتم بالشفقة في المجال السياسي في العلاقة بين الحاكم
والمحكوم، فالشفقة المتبادلة بين الحاكم والمحكومين، وبين أفراد المجتمع، هي
الضامن لتحقيق السعادة القصوى وبقاء الدولة.
والسؤال هنا ماذا يحدث لعقولنا وتفكيرنا
وقوتنا النفسية إذا تحولت الشفقة إلى ضغط وإجهاد نفسي؟
استخدم مصطلح "إجهاد الشفقة" لأول
مرة من قبل "كارلا جوينسون" وذلك عام 1992، وذلك لوصف الحالة النفسية
التي تعاني منها الممرضات في أقسام الطواريء نتيجة تعرضهن اليومي والمستمر لمعاناة
المرضى، مما يؤدي إلى فقدانهن القدرة على التعاطف.
هذا النوع من الإجهاد يتعرض له بعض الأشخاص
الذين يقومون برعاية الأقارب وغيرهم من ذوي السن الكبير والمرضي بأمراض مزمنة، فمع
طول الرعاية والاستماع شبه الدائم للأوجاع ومشاهدتها بشكل مستمر، هذا يؤدي إلى نوع
من الاحتراق النفسي، وهو ما ينعكس على هؤلاء الأشخاص نفسيا وصحيا واجتماعيا،
فتنخفض طاقتهم النفسية، ويفقدون قدرا من قوتهم، وتتسرب الكثير من الشكاوى البدنية
إلى حديثهم.
أخي الكريم..لاشك أن إجهاد
الشفقة يؤثر سلبا في بعض الأحيان على تفكيرنا، ولكن بأشكال مختلفة، مثل:
اللامبالاة، أو التفكير المفرط في المعاناة، ونوبات الغضب، ومشاعر الحزن، وربما
التبلد العاطفي، ومشكلات النوم، والغثيان، والشعور بالعجز أمام هذه المعاناة.
وختاما أخي الكريم ..لتجنب
سلبيات "إجهاد الشفقة" :
*عليك أن تحول تلك الشفقة لفعل إيجابي في
تقديم الدعم والرعاية في حدود قدراتك وإمكاناتك وقدرتك على التحمل.
*لا تكلف نفسك من المشاعر ما لا تطيق، حتى
لا تنهار قوتك النفسية والعصبية.
*امنح نفسك وقتا للراحة وإعادة تجديد
النشاط، لأن الجهد النفسي والبدني المتواصل له ضريبته القاسية.
*افصل بين مجالات العمل التي تفرض عليك
التعامل مع حالات إنسانية متألمة، وبين حياتك الشخصية، فبمجرد أن تغادر مكان عملك
لابد أن تترك فيه مشاعر المعاناة لتستأنف
حياتك الخاصة بلا توتر وبلا إجهاد، وهو ما يمكن أن نسميه "وضع حدود عاطفية صارمة"
بين عملك وبين حياتك.
الكلمات المفتاحية:
إجهاد الشفقة الصحة النفسية اللامبالاة
موضوعات ات صلة:
هل أصابتنا الرقمية بالتبلد القيمي؟
ما الحلقة المفقودة بين أعمارنا وعقولنا؟
كيف
يتجاوز الشباب صدمة القدوة الدعوية؟
كيف
أتعامل مع اللامبالاة في الحياة؟
كيف
نوازن بين الجانب الإداري والعمق التربوي للمؤسسات؟