بعض الناس يتضايق من تكبر الآخرين عليه وعلى الناس فما الأسباب التي تؤدي للتكبر وكيف نظرت الفلسفة لهذه الرذيلة؟
أخي الكريم، لا شك أن التكبر من الصفات والأخلاق المذمومة والمؤذية، والتي تؤدي إلى
تسميم العلاقات الاجتماعية والإنسانية، وهدفنا في هذه الاستشارة هو الغوص في
الذهنيات والأفكار التي يتولد من خلالها التكبر، ودوافعه النفسية.
عقبة في الإصلاح
أخي الكريم، التكبر هو إفراط في تقدير الذات، بما يؤدي إلى تجاوزات في حقوق الآخرين سواء بالاحتقار أو بالظلم، ونعني بالذات كيفية فهم
الشخص لنفسه، وهذا الفهم يعتمد على مجموعة من التصورات والمعتقدات والمشاعر، تتشكل
من خلال التجارب والعلاقات وردود الفعل التي يتلقاها الشخص من العالم المحيط به.
وجود التكبر في النفس والأفكار يعتبر عقبة كؤود تمنع
تغيير الذات، وتحجب قبول النصح، ولعل أولى
الصخور الصعبة التي واجهها الأنبياء عليهم السلام ثم المصلحون من بعدهم هي عقبة
التكبر، فعندما يظن إنسان أنه يفوق الآخرين، فالسلوك الناتج عن هذا التكبر سيكون
هو الاحتقار ثم الظلم.
ومن هنا كان نزع جرثومة التكبر هو فتح لآفاق النفس
والعقل للأنوار وتلقي الهدى والصلاح؛ لأن شرط الإيمان هو تغيير الذات،
وهذا التغير لا يأتي إلا من تغيير الأفكار والتصورات التي ينشأ منها
الفعل والسلوك، يقول الشاعر "أبو العلاء المعري": "والحازم يرى
التواضع فرضًا لازمًا، والأخرق يرى التكبر حظًّا جزيلاً"، والأخرق هو
الأحمق والسيئ في التدبير، وهو ما يعني أن التكبر هو من نقصان العقل إلى جانب نقص
الإيمان والأخلاق.
ضعف يتوارى خلف التعالي
أخي الكريم، التكبر ليس دليلاً على رجاحة العقل أو الثقة بالنفس، ولكنه دليل على
اهتزاز ثقة الإنسان بنفسه، فنجد -مثلاً- الفيلسوف "نيتشه" يرى أن التكبر
"علامة على انعدام الثقة بالنفس"، وأنه آلية دفاعية لا
واعية يستخدمها الإنسان للهروب من عجزه الداخلي، ومحاولة لإثبات تفوق وهمي
للتعويض عن شعوره بالنقص.
وقد اعتبر الفيلسوف الشهير "إيمانويل كانط"
(المتوفى:1804م) أن التكبر ليس مجرد خطأ في حق الآخرين، ولكنه فشل أخلاقي
في "احترام الذات"؛ لأنه يعتمد على مقارنة النفس بالآخرين
للحصول على قيمة، بدلاً من استمداد القيمة من كرامة الإنسان الداخلية.
وهو ما يعني أن التكبر نتاج تصورات خاطئة عن الذات
مقارنة بالآخرين، وهو ما أكده عالم الاجتماعي العراقي "علي الوردي" من
أن "الإنسان حين يشعر بعدم الأمان، فإنه يبالغ في إثبات ذاته"،
وهذا ما يجعل التكبر صرخة خوف، وليس إعلانًا للقوة، فالمتكبر يظن أن
التواضع يقلل من قيمته، وإثبات الذات لا يكون إلا من خلال التقليل من شأن الآخرين
واحتقارهم، ثم التعدي عليهم بالظلم.
حتى الفلسفة الوجودية (وهي تيار فكري يضع الإنسان الفرد
وحريته في مركز الاهتمام) فيرى أحد روادها وهو "سارتر" أن التكبر
قد يكون محاولة من الإنسان لإثبات وجوده في عالم يفتقر إلى المعنى، وهو ما
يعكس حاجة عميقة للاعتراف.
عالم النفس الأمريكي "كارل روجرز"
(المتوفى:1987م) يرى أن التكبر ناتج عن فشل الشخص في بناء ذاته المثالية، تلك
الذات التي تتجاوز حدود الواقع والحقيقة والإمكانات، ومع هذا الفشل، يبرز التكبر
كآلية لتعزيز صورة هذا الشخص أمام الآخرين، وتعتمد نظرية "روجرز" على
أن الانسجام النفسي يتطلب توافقًا صحيًّا بين ذاتك الحقيقية وبين ذاتك
المثالية، وفي حال الفشل في تحقيق هذا التطابق والانسجام ومن ثم يأتي التكبر
والغرور كآلية دفاعية، يتم فيها استخدام صورة مثالية جامدة ومتضخمة للذات لإخفاء
ذات حقيقية غير آمنة أو مخفية، مما يشوه الواقع للحفاظ على التفوق.
وقد يؤشر التكبر لوجود مرض أو اضطراب نفسي عند بعض
الاشخاص، مثل الشخصية النرجسية والمغرورة، وكلاهما يتضمن تضخيمًا للذات على حساب
الآخرين.
وختاما أخي الكريم، أعاذنا الله من الكبر والتكبر والنرجسية والغرور، فإنها من مهلكات الإيمان
والعقل والروح، وهو ما يفرض علينا أن ننظر في داخلنا مليًّا، ونفتش عن أمراض النفس
وأخطاء التصورات لعلاجها وتقويمها.
موضوعات
ذات صلة:
كيف تؤثر عقد النقص في العقل والسلوك؟
كيف تبني الشخصية النرجسية تصوراتها عن الذات والآخرين؟
هل الغرور خداع للذات أم إفراط في تقديرها؟
هل التدليل الزائد عقبة في بناء الشخصية السوية؟