نلاحظ ازدياد في حالات الطلاق في كل المجتمعات في العالم، ولهذا الازدياد أسباب متنوعة، لكنني لاحظت أن نمو ثقافة المقارنة أي أن يقارن الشخص شريك حياته بالآخرين ثم ينظر إلى حياته فيتولد الإحباط ثم الكراهية...فهل فعلا تلك الثقافة وراء ازدياد حالات الطلاق؟
أخي الكريم، سؤالكم يلمس واقعًا اجتماعيًّا مؤلمًا في غالب المجتمعات البشرية، وهو ازدياد
معدلات الطلاق بصورة غير مسبوقة، وتحول الطلاق إلى أزمة قانونية وإنسانية تعقد
الحياة بصورة مخيفة وبخاصة إذا كان هناك أطفال.
ورغم أن أسباب الطلاق متنوعة، وبعضها له مبرره، فإننا
نلاحظ أن هناك نموًا لما يمكن تسميته بـ"ثقافة المقارنات" بين
الأزواج، وهذه الثقافة أنتجت تباغضًا بين الأزواج وعدم رضى عن الحياة وشعورًا
بالغبن والظلم، وقلة صبر لتحمل تكاليف الحياة ومسؤولياتها، وبالتالي كان المنقذ
الوحيد المتصور للخروج من هذه الأزمة هو الطلاق.
ما هي ثقافة المقارنات؟
أخي الكريم، ثقافة المقارنات، موجودة من قديم، سواء فيما يسمى بـ"الغيرة" أو
"الحسد"، لكننا في الوقت الراهن نتحدث عن تفشي تلك المشاعر، بسبب
الإلحاح السمعي والبصري الذي تفرضه وسائل الإعلام الحديثة وكذلك مواقع التواصل
الاجتماعي التي جعلت حياة الناس مكشوفة للجميع، وقربت أنماط الحياة المترفة
والرغدة للجميع، وطرحت نماذج بشرية تتسم بالجمال والوسامة والرشاقة، أمام أعين
الناس جميعًا، وهنا أخذ الناس يقارنون حياتهم وشركاءهم في الحياة بما يشاهدونه
ويسمعونه، وهذا ما أفقد الناس الرضا والصبر وعدم النظر لشريك الحياة أنه كفء
للاستمرار معه، ومنح الذات تقديرًا أعلى من الواقع الذي تعيش فيه، وهنا تم استبدال
بالمعايير الموضوعية معايير أخرى متصورة وموهومة، وعندئذ نشأت الأزمات النفسية.
تحدث علماء النفس عن ثقافة المقارنة، وقد صاغها علم
النفس الأمريكي "ليون فستنغر" في نظرية عام 1954م تحت مسمى "نظرية
المقارنة الاجتماعية" التي تؤكد أنه حين تغيب المعايير الموضوعية فإننا ننظر
إلى الآخرين ونقارن أنفسنا بهم، تقول النظرية إن "المقارنة والتحليل غريزة
بشرية، لكنها سرعان ما تصبح ضارة عندما يكون (الآخرون) الذين نقارن أنفسنا بهم
مجرد صور نمطية منتقاة بعناية، وليست حقيقية".
ومع الرقمية زادت ثقافة المقارنة؛ فالأشخاص ينشرون أفضل لحظات السعادة على صفحاتهم على
مواقع التواصل الاجتماعي وهو ما جعل حياة الجميع مكشوفة، تشير دراسة إلى أن مجرد
ثلاث دقائق فقط من التصفح على مواقع التواصل الاجتماعي كفيلة بأن تعكر مزاج الشخص؛
فكيف بالأزواج الذين يقضون أغلب ساعات يومهم على مواقع التواصل الاجتماعي يتابعون
تطورات حياة الناس والموضة وأنماط الحياة المترفة!
وهناك دراسة نشرت عام 2023م أكدت أن وسائل التواصل الاجتماعي
مسؤولة عن عدم رضا الناس عن أجسادهم وبخاصة الشباب، ولا شك أن عدم الرضا ينتقل إلى
شريك الحياة، ومعه تنشأ الأزمات والخلافات ويقع الطلاق.
كيف نتغلب على الثقافة الضارة؟
الحقيقة أن التغلب على ثقافة المقارنة، لا يتأتى إلا من
خلال إصلاح التصورات والأفكار، أي أن شريك الحياة إذا قام بتعديل تصوراته وأفكاره
عن ذاته وعن الشريك الآخر وعن طبيعة العلاقة بينهما، ومن ثم فالعلاج
المعرفي السلوكي مدخل مهم للغاية للتغلب على ثقافة المقارنة.
علماء الأخلاق المسلمون رأوا من قديم أن ثقافة المقارنة مفتاح للكثير من الشرور النفسية والاجتماعية،
ورأوا أن اقتلاع تلك الروح من جذورها كفيل بأن يحقق للإنسان الهدوء والاستقرار
النفسي ويحقق الرضا عن الحياة الذي هو مدخل لكل سعادة وطمأنينة، ولذك وجدنا -مثلاً-
"ابن الجوزي" في كتابه "صيد الخاطر" يحذر من تلك الثقافة
الخطرة، فيقول: "إن الحسد يغلب الدين" فإذا كانت قوة
الحسد في النفس وتأثيرها على السلوك تتفوق عند البعض على قوة الدين وهيمنته على
النفس والسلوك، فمن هنا فإن الحيلولة دون نمو ثقافة المقارنة هو حماية للذات
وحماية للحياة الزوجية ويعتبر أحد الموانع الكبرى للطلاق.
وهذا يعني أن العلاج السلوكي الجدلي مع النفس يضعف ثقافة
المقارنة، ويقلل مشاعر القلق والتوتر والإحساس بالدونية ويزيح عن العقل والنفس ثقل
المعايير غير الموضوعية الناتجة عن المقارنة.
وأخيرا أخي الكريم، فإن إدارة المشاعر أمر مهم ومن ذلك أن يرى كل طرف محاسن ومميزات الشريك
الآخر، ومع تلك الرؤية يتحقق الرضا، الذي هو من أهم مسببات استمرار الحياة الزوجية
بسعادة، ومن أساليب إدارة المشاعر كذلك القبول ببعض النقص والأخطاء في شريك
الحياة، والتعايش معها، وهو ما يسمى بـ"التقبل الجذري" أي تقبل الأمر
بلا ضغط نفسي وعصبي.
موضوعات ذات صلة:
هل أدت مواقع التوصل الاجتماعي إلى زيادة حالات الطلاق عالميًّا؟