كيف تنشئ الأفكار الشجاعة في النفس؟

الشجاعة نتاج عوامل كثيرة منها البيئة الاجتماعية والتنشئة، وسؤالي ما هو دور التصورات والأفكار في بث الشجاعة في النفوس؟

أخي الكريم، معالجة التصورات الذهنية طريقٌ لتقويم السلوك وبث الفضائل واجتناب الرذائل؛ فالسلوك يبدأ في الكثير من الأحيان من العقل والتصور، وإغفال ذلك يعني أننا نعالج القشور الظاهرة ولا نتعمق في التقويم والإصلاح.

 

كان "أبو حامد الغزالي" يرى أن الشجاعة هي "كف النفس عن الخوف والحرص"، وأن الشجاعة هي فضيلة القوة الغضبية، وينطوي تحتها "الكرم والنجدة وكِبَر النفس، والاحتمال والحلم والثبات والنبل والشهامة والوقار".

 

والشجاعة نتاج البيئة الاجتماعية التي ينشأ فيها الإنسان، فنجد أهل البوادي والصحراء والجبال الذين تضطرهم ظروف العيش إلى المواجهة اليومية مع الأخطار وأنهم يتولون الدفاع عن أنفسهم بأنفسهم، نجدهم أكثر شجاعة من أهل المدن القائمة على الانضباط، والذين تتكفل السلطة بحفظ أمنهم وتولي الدفاع عنهم، نجد شجاعتهم أقل.

 

لكن الشجاعة -أيضًا- هي نتاج تصورات؛ فتعديل مفاهيم الإنسان تجاه الخوف وكيفية مواجهة الأخطار، وغرس روح التضحية والفداء، تسهل على الإنسان اكتساب صفة الشجاعة، تقول الكاتبة والشاعرة الأمريكية "مايا أنجيلو": "الشجاعة هي أهم الفضائل على الإطلاق؛ لأنه بدونها لا يمكنك ممارسة أي فضيلة أخرى باستمرار".

 

عـــدّل تصوراتك

 

جزء من اكتساب الشجاعة يرجع إلى تعديل الشخص لتصوراته عن نفسه، فيثق بقدرته على المواجهة، فعندما يتحلى بتلك الثقة يحس بطاقة تسري في عروقه وحمية وحرارة تنساب في جسده، فيثبت ويواجه المخاطر، وربما هذا ما نبهت إليه الكاتبة الأمريكية "إليانور روزفلت" في كتابها "تتعلم من خلال الحياة" بقولها: "تُكتسب القوة والشجاعة والثقة من كل تجربة تتوقف فيها حقًّا لتواجه الخوف وجهًا لوجه، عليك أن تفعل ما تعتقد أنك لا تستطيع فعله".

 

في كتابها "الجرأة على العظمة" للدكتورة "برينيه براون" نصائح لتعديل تصوراتنا عن الشجاعة وكيفية التحلي بها، فتبدأ من ضرورة معرفة الذات وألا يجهل الإنسان نفسه، فتقول: "ما نعرفه مهم، لكن من نحن أهم"، ولذلك على أولياء الأمور أن يدربوا صغارهم باستمرار على مواجهة مخاوفهم وتعديل تصوراتهم عن الخوف؛ لأن ذلك بداية قوية للتحلي بالشجاعة، فتقول: "لقد وجدتُ أن ما يُسعد الأطفال لا يُهيئهم دائمًا ليكونوا بالغين شجعانًا وفاعلين"؛ فحجب المؤثرات التي تقوي الطفل بدافع الحماية، تجعل الابن ضعيفًا لا يمتلك القدرة على المواجهة، ولذلك تؤكد "براون" أننا "لن نكتشف القوة اللامتناهية لنورنا إلا عندما نتحلى بالشجاعة الكافية لاستكشاف الظلام"؛ فبعض الأحيان سير الإنسان خطوات في الظلام قادر على تبديد مخاوفه.

 

واجه خوفك

 

مواجهة الخوف هو عملية داخلية، بين النفس والعقل؛ فالعقل إذا أدرك أن ذلك الخوف يمكن التغلب عليه، فإنه يمنح النفس الشجاعة والثقة للمواجهة، ولهذا كان "جلال الدين الرومي" يقول: "لا تتجنب خوض التجارب الصعبة.. فهي معلم رائع"؛ ففي بعض الأحيان التجنب لا يكون علاجًا نافعًا، ولكنه يرسخ الخوف، ويقول أيضًا "انسَ السلامة.. عِش حيث تخشى أن تعيش".

 

ولذلك كان إعادة التفكير في الخوف خطوة مهمة للتحلي بالشجاعة؛ فالخوف عائق كبير، وتغيير تصورنا للخوف يعني تعديل قدراتنا على الفعل، ولعل أهم ما يتميز به الخوف أنه مخادع، وذو إلحاح وأفكاره متطفلة وترغب في إقناعك أنك لا تستطيع ولا تقدر، ولذلك مع الخوف تتغير بعض طبائع البدن، فيتعرق الإنسان وتزيد نبضات القلب وتضطرب العينين ويشعر الشخص بآلام في معدته، ولا يستطيع النوم، وهذه الانفعالات الداخلية ناجمة عن اقتناع الشخص بالخوف، فإذا زال هذا الاقتناع عاد البدن إلى طبيعته، فالخوف مؤذ للغاية، وتكلفة الشجاعة أقل بكثير من تكلفة الخوف.

 

يقول "ابن القيم": "الشجاعة من القلب وهي ثباته واستقراره عند المخاوف، وهو خلق يتولد من الصبر وحسن الظن، فإنه متى ظن الظفر وساعده الصبر، ثبت. كما أن الجبن يتولد من سوء الظن وعدم الصبر فلا يظن الظفر ولا يساعده الصبر، وأصل الجبن من سوء الظن ووسوسة النفس بالسوء وهو ينشأ من الرئة، فإذا ساء الظن ووسوست النفس بالسوء انتفخت الرئة فزاحمت القلب في مكانه وضيقت عليه حتى أزعجته عن مستقره فأصابه الزلازل والاضطراب لإزعاج الرئة له وتضيقها عليه".

 

موضوعات ذات صلة:

الخوف الوجودي أزمة إنسانية

القلق لماذا أصبح سمة الإنسان المعاصر؟

القلق الرقمي ما هو وكيف نقاومه؟

يرفض النوم خوفًا من الموت!!!

كيف أتجاوز رهبة السنة الأخيرة؟!!