التعامل مع الطعن في النيات والمقاصد بين الدعاة

<p class="MsoNormal" dir="RTL" style="margin-bottom: 0.0001pt; text-align: justify; line-height: normal; background-image: initial; background-position: initial; background-size: initial; background-repeat: initial; background-attachment: initial; background-origin: initial; background-clip: initial; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size:16.0pt;font-family:&quot;Simplified Arabic&quot;,&quot;serif&quot;">السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أنا داعية أعمل في حقل الدعوة منذ سنوات، ولاحظت في الفترة الأخيرة انتشار ظاهرة خطيرة بين بعض الدعاة، وهي الطعن في النيات والمقاصد، حيث يصدر بعضهم أحكامًا على نيَّات إخوانهم الدعاة ويتهمونهم بنوايا خبيثة أو مقاصد فاسدة دون دليل، مثل القول: (هذا يظهر السلفية ويبطن التصوف) أو (نيته فاسدة وهو يريد الفتنة). هذا الأمر سبب جراحًا عميقة وفرقة مؤلمة. كيف نتعامل مع هذه الظاهرة، ونحافظ على سلامة الصف الدعوي من هذا الداء الخفي؟</span><span dir="LTR" style="font-size:16.0pt;font-family:&quot;Simplified Arabic&quot;,&quot;serif&quot;"><o:p></o:p></span></p>

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، حياك الله أيها الداعية المخلص، وجزاك الله خيرًا على تنبيهك لهذا الداء العضال الذي ينخر في جسد العمل الدعوي. وإن الطعن في النيات من أخطر الأمراض التي تصيب الساحة الدعوية؛ لأنه يهدم الثقة ويقضـي على الأخوة ويحول الاختلاف الطبيعي إلى عداوة شخصية، ومن هنا يأتي إليك جوابي تفصيلاً على النحو التالي:

 

أولاً: حقيقة الطعن في النيات وخطورته:

 

1) اختصاص علم الغيب بالله: كما قال تعالى: ﴿قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّه، والنيات مما استأثر الله بعلمه، فلا يجوز الحكم عليها إلا بما ظهر.

 

2) تحويل الخلاف الفكري إلى عداوة شخصية: فعندما ينتقل النقاش من مجال الأفكار إلى اتهام النيات، يفقد الحوار موضوعيته ويصبح صراعاً نفسـيًّا.

 

3) هدم الثقة المتبادلة: فالثقة هي أساس التعاون الدعوي، والطعن في النيات يهدم هذا الأساس.

 

ثانيًا: ضوابط شـرعية في الحكم على النيات:

 

1) القاعدة الذهبية: (الأصل في المسلم حسن الظن)، كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ.

 

2) التمييز بين الحكم على الظاهر والباطن: نحن نحكم بما ظهر، والله يتولى السـرائر، قال الإمام جعفر الصادق: «لأن أندم على العفو عشرين مرة، أحب إليّ من أندم على العقوبة مرة واحدة».

 

3) تحريم التجسس والتتبع للعورات، قال تعالى: ﴿وَلَا تَجَسَّسُوا.

 

ثالثًا: أسباب انتشار هذه الظاهرة:

 

ومن بين الأسباب المشهورة لبروز هذه الظاهرة، ما يأتي:

 

1.    الهوى والتعصب: بدخول الهوى والبغي بين المختلفين.

 

2. الجهل بآداب الخلاف: عدم التربية على منهج السلف في التعامل مع المخالف.

 

3. سوء الظن المزمن: وهو مرض قلبي خطير يفسد العلاقات.

 

4. الغيرة غير المنضبطة: والغيرة على الدين تحتاج إلى ضبط بالشـرع والعقل.

 

رابعًا: منهجية التعامل مع هذه الظاهرة:

 

على المستوى الشخصي (إذا كنت هدفًا للطعن):

 

1) الاستعانة بالصبر والدعاء: قال تعالى: ﴿وَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا﴾.

 

2) مراجعة النفس: اسأل نفسك: هل هناك ما يستدعي هذا الظن؟ وتُصلح إن وجد.

 

3) عدم المقابلة بالمثل، قال تعالى: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السيئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَن.

 

4) الحوار الهادئ: فكما في نموذج الإمام الشافعي: «إذا بلغك عن صديق لك ما تكره، فلا تبادره العداوة... ».

 

على المستوى الدعوي العام:

 

1) التأصيل العلمي: نشـر ثقافة (حسن الظن) و(آداب الخلاف) عبر المحاضرات والكتيبات.

 

2) تقديم النماذج العملية، كمثل قصة الإمام مالك مع أبي جعفر المنصور عندما رفض أن يحمل الناس على موطئه، وتعامل الأئمة الأربعة مع اختلافاتهم.

 

3) تأسـيس قواعد للتعامل الدعوي: فكلام الأقران يطوى ولا يروى، وضرورة التمييز بين النقد العلمي والطعن الشخصي.

 

4) علاج الأسباب الجذرية، من معالجة الغلو والتطرف، وتربية الدعاة على التواضع وحب الخير للآخرين.

 

خامسًا: وصايا عملية للدعاة:

 

1) احذر أن تكون مصدرًا للفتنة: تذكر أن كلمة واحدة قد تهدم سنوات من العمل الدعوي.

 

2) اعلم أن الاختلاف في الرأي لا يفسد للود قضية، فلو كان كل ما اختلف مسلمان في شيء تهاجرا، لم يبق بين المسلمين عصمة ولا أخوة.

 

3) اجعل همك إصلاح القلوب قبل تصحيح الأفكار؛ ففي الحديث: «ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب».

 

4) تذكر أنك محاسب على الكلمة: ﴿مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيد.

 

5) استخدم المنهج القرآني في التعامل: ﴿وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ.

 

سادسًا: دعوات عملية للعلاج:

 

* دعوة للمصالحة الذاتية: ابدأ بنفسك، أصلح ما بينك وبين الله، يُصلح الله ما بينك وبين الناس.

 

* مشـروع (توحيد الصف الدعوي): تنظيم لقاءات دورية للدعاة للتعارف والتآلف.

 

* مبادرة (كف الأذى): التعهد بعدم الطعن في الدعاة أو التجريح بهم.

 

* برنامج (التربية على الأدب): تدريب الشباب الدعاة على آداب الخلاف.

 

ختامًا:

 

أخي الداعية، تذكر أن الدعوة جهاد يحتاج إلى قلوب متحابة، وأرواح متآلفة، ونفوس متعاونة. لا تدع الشيطان ينزغ بينك وبين إخوانك، ولا تجعل الهوى يتسلط على لسانك. كن كما وصف الله عباد الرحمن: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا، ونسأل الله أن يوحد قلوب الدعاة، وأن يصرف عنهم كيد الشياطين، وأن يجعلهم إِخْوَةً عَلَىٰ سـررٍ مُّتَقَابِلِينَ..

 

روابط ذات صلة:

ما هي ثقافة الاختلاف؟ وكيف نؤسسها مجتمعيًّا؟

كيف نتعامل مع الاختلافات الفقهية والدعوية دون تمزق الصف الدعوي؟

أغلال التعصب الرقمي وفتنة الأتباع