على ضوء جيفري إبستين هل هناك علاقة بين الإفراط في الجنس والفلسفة العدمية والمادية؟ أرجو توضيح ذلك.
أخي الكريم، الانحرافات الجنسية البشعة التي كشفت عنها وثائق وزارة
العدل الأمريكية، عما ارتكبه الملياردير الأمريكي "جيفري إبستين" على
جزيرة من انتهاكات جنسية واستغلال لقاصرات وتسهيل هذا الاستغلال للمشاهير وذوي
النفوذ، تطرح جوانب فلسفية لتلك الانحرافات، فهي ليست شهوة عابرة، أو خطيئة
ارتكبت، ولكن ما جرى كان ظمأً وجوديًّا وقلقًا كبيرًا ناتجًا عن تضخم السلطة
والثروة ووصولها لحالة من الطغيان الكبير، الذي أخذ يستحل كل شيء، وينتهك كل
فضيلة، ويستغل كل براءة وضعف، ولهذا كانت الفتيات القاصرات الصغيرات هن الأكثر
استغلالاً من "إبستين" وزواره الكبار.
العدمية والجنس
يبدو أن هناك ارتباطًا ما بين الفلسفة العدمية وهذا الظمأ للجنس، حيث
يظن هؤلاء أن الجنس يستطيع أن يحقق إشباع الروح، وأن الانغماس الكامل في الجنس بكل
الطاقة الإنسانية هو ما يفتح الطريق لاكتشاف اللذة الحقيقية.
الفسلفة العدمية -كما ذكرنا في استشارة سابقة- أنها من أخطر الفلسفات
والأفكار التي عرفتها البشرية في القرون الأخيرة؛ لأنها تنفي القيمة والمعنى
عن كل شيء، وتجرد الإنسان من اليقين والإيمان، وتحرضه على التدمير والكفر بكل
قيمة، وهي كما يقول المفكر عزت بيجوفيتش: "النتيجة المنطقية لضياع المرجعية
وغياب المعنى الذي يدفع المرء للحياة"، فعندما يفقد الإنسان ذاته يتحول إلى
إنسان محطم.
في ظل الفلسفة العدمية يُنظر للجنس على أنه فعل جسدي منفصل عن عمقه
العاطفي أو الأخلاق أو الاجتماعي، وترى العدمية أن الجنس بلا معنى جوهري، ولذا يختزل في الفعل الجسدي
الحسي، غير أن إزالة المعنى عن الجنس وتجريده من الأخلاق يطلق العنان للرغبة لتفعل
ما تشاء بلا أي ضابط أو التزام أخلاقي وقيمي.
ومن ناحية أخرى ينفصل الجنس كسبيل للإنجاب، نظرًا لأنها فلسفة
تدميرية ولا تؤمن بأي معنى أو قيمة وتجرد الجنس من التزاماته الفطرية والمقدسة
كوسيلة لاستبقاء النوع الإنساني.
أقسام العدمية
قسّم الفيلسوف الأمريكي "دونالد كروسبي" العدمية إلى أربعة
أشكال رئيسية، هي:
العدمية الأخلاقية: وهي ترفض المفاهيم الأساسية للصواب والخطأ.
العدمية المعرفية: وهي تعترض على الحقيقة المطلقة.
العدمية الكونية: وهي ترى أن الطبيعة غير مبالية وعدائية بطبيعتها.
العدمية الوجودية: وتقوم فكرتها الأساسية على أنه لا معنى للحياة، وأن كل شيء عبثي.
وعلى هذا فالعدمية أفكار شديدة الخطورة، من ناحية أنها تبعث على
اليأس والإحباط، ومن ناحية أخرى فهي تحطم التصورات عن الخير والشر ومعيارية الصواب
والخطأ فهي لا تؤمن بأي قيمة، فالحياة هي اللحظة، ولعل هذا ما كان يفعله
"إبستين" من تحطيم كل قيمة على أرض جزيرته من خلال الانحرافات الجنسية.
تشير دراسات نفسية حول تلك الانحرفات إلى أن "إبستين"
شخصية كانت تعاني من اعتلال نفسي يتمثل في انعدام التعاطف والغرور والخداع
والنرجسية، فهو رأى نفسه متفوقًا اجتماعيًّا وماليًّا وذا هيمنة في الأوساط
الاجتماعية والسياسية، ولعل هذا ما أوجد عنده ولعًا بالجنس وبخاصة اصطياد
القاصرات، وأنه يستحق أن يفعل ما يريد بلا مساءلة.
وقد وُصف "إبستين" بأنه إنسان جمع بين ثلاث شخصيات سيئة
للغاية، فهي: "سيكوباتي" (تعتبر الشخصية السيكوباتية اضطراب نفسي معقد
يتسم بعدم مراعاة المشاعر والأفعال، والافتقار إلى الندم، والسلوك العدواني،
والتلاعب بالآخرين)، وهو أيضًا نرجسي (يمتلك شعورًا بأهمية الذات والانبهار بها)،
كما أنه ميكافيللي (أي شخص يؤمن بالغاية تبرر الوسيلة)، وهذه هي سمات الشخصية
المظلمة.
روابط ذات صلة:
كيف نحمي أنفسنا من شبح الانحلال؟
الفلسفة العدمية.. عندما يُفتقد اليقين والإيمان