<p>التأثير المجتمعي للدعاء بالسوء أمام الكعبة على العلاقات الأسرية والاجتماعية. مع انتشار ظاهرة دعاء الأمهات على أبنائهن وزوجاتهم أمام الكعبة، ظهرت مخاوف بشأن التأثيرات التي قد تطال المجتمع ككل، وليس الأفراد المعنيين فقط.</p><p> ما هي التأثيرات المجتمعية الفورية لهذا التصرف على الروابط الأسرية والاجتماعية في المجتمع؟ وكيف يمكن أن تتأثر العلاقات بين الأجيال المختلفة؟ ما هي التداعيات طويلة المدى على التماسك المجتمعي، وهل يمكن أن يؤدي ذلك إلى تفكك العلاقات الاجتماعية على المدى البعيد؟</p><p> كيف يمكن أن يؤثر هذا التصرف على القيم الأسرية والثقة المتبادلة في المجتمع، وكيف يمكن أن تتغير النظرة إلى الأماكن المقدسة؟ ما هي الإجراءات والتوصيات المجتمعية والنفسية المقترحة للتخفيف من هذه التأثيرات وتعزيز الوحدة والرحمة في المجتمع؟ </p><p>نرغب في فهم الأثر الشامل لهذا التصرف على المجتمع ككل، واستكشاف سبل تعزيز الروابط الاجتماعية والأسرية على المدى الطويل.</p>
أخي الكريم، أهلاً وسهلاً ومرحبًا بك في موقعك بوابة الاستشارات الإلكترونية
تحدثنا سابقًا عن تنامي مشاعر الكراهية داخل العائلة الممتدة خاصة بين العناصر
النسائية وأن هناك تنامي لثقافة القسوة والكراهية في بلادنا من خلال استشارة تدعو على ابنها أمام الكعبة.. لماذا؟ وكيف؟(1)
وتحدثنا أيضًا عن المشكلات التي طالت الترابط الأسري والفجوة الحادثة
بين الأجيال والتوجه المجتمعي نحو الفردانية نتيجة الخلل في الرابطة الأسرية من
خلال استشارة تدعو على ابنها أمام الكعبة.. لماذا؟ وكيف؟(2).
واليوم نتحدث عن كيفية إعادة أجواء الألفة للعائلة قبل أن تبتلعها
كارثة الفردانية.
الصلة العادلة
إحدى أهم الركائز التي تعيد مد الجسور وتصنع الألفة داخل العائلة هي
الحفاظ على قوة صلة الرحم، والحقيقة أن الإسلام وضع صلة الرحم في منزلة عالية جدًّا
حتى إذا ضعفت العواطف وفترت أو زادت الضغوط والانشغالات بقيت الأحكام الشرعية
كمنارة كاشفة لأهمية هذه الصلة.
وفي الحديث المتفق عليه عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال:
قال رسول الله ﷺ: (إنَّ الله خلَق الخلْقَ، حتى إذا فرغ من خلقِه قالتِ الرَّحِمُ:
هذا مقامُ العائذ بك من القطيعة، قال: نعَم، أمَا تَرضَيْنَ أن أصِل مَن وصلَكِ،
وأقطعَ مَن قطعَكِ؟ قالت: بلى يا ربِّ، قال: فهو لكِ)، قال رسول الله ﷺ: (فاقرؤوا إن شِئتُمْ: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ
تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾)، وكلما زادت قوة
الإيمان في قلوب الأفراد كلما شعروا بخطورة وأهمية وجود صلة قوية وكلما خافوا من
القطيعة ومن كل ما يقرب منها من مشاعر سلبية أو سوء ظن.
الفارق ضخم بين الحفاظ على الرابطة العائلية بحكم الواجب المجتمعي
والعادات المتبعة والمعرضة للتغير بحكم تغير الثقافة (التي تتجه نحو الفردانية)،
وبين الحفاظ على الرابطة العائلية باعتبار أن صلة الرحم فريضة دينية والقطيعة
كبيرة من الكبائر.
وإذا كانت الصلة مطلوبة على المستوى الفردي حتى إذا لم يتجاوب الطرف
الآخر معها، وفي الحديث الذي رواه البخاري (ليس الواصِلُ بالمُكافِئ، ولكن الواصل
الَّذي إذا قُطِعتْ رَحِمُه وصلَها)، لكن على المستوى المجتمعي لا بد من حفظ الصلة
بضابط العدالة.
لو ضربنا نموذجًا ببيت العائلة الذي يتقارب فيه الأجيال والذي يجتمع
فيه عدد من الأبناء مع عائلتهم فإن العدالة هي ضمان الحفاظ على الصلة فعالة،
والعدالة هي ما تمنع التشاحن والنفور الذي هو المقدمة الطبيعية للقطيعة.
غياب العدالة هو أكبر محرض للغيرة وسوء الظن، والعدالة تبدأ بالعدالة
في تقسيم الأدوار، وما كان مقبولاً في زمن مضى بحكم الاضطرار وانخفاض الوعي لم يعد
مقبولاً الآن؛ لذلك فالعدالة هي الضمانة التي تحفظ الحقوق والواجبات.
وفي الواقعة موضع السؤال (العلاقة بين الأم وزوجة الابن) لا بد من فض
الاشتباك بين بر الأم وصلتها وبين ظلم الزوجة أو تحميلها واجبات ليست ملزمة بها.
لا بد من فض الاشتباك بين منح الزوجة حقها في الخصوصية وبين منح الأم
حقها في الاطمئنان والقرب والتواجد في حياة ابنها وأحفادها.
خلاصة القول لا بد من التمركز حول قيمة الصلة مع تعزيزها وحفظها
بقيمة العدالة.
الاحترام المتبادل
تقوية الروابط العائلية مرتبط بوجود علاقة احترام بين جميع
أفرادها، أن يشعر كل فرد في العائلة أنه مشاهد ومرئي من الآخرين مقدر يستمع له يتم
الاهتمام بأمره، هنا تتحول العائلة من قيد وواجب ثقيل وإلزامي إلى ملاذ وجودي آمن
تمنحه ما لا يستطيع العالم كله منحه، ويصبح الحديث عن الفردانية والخوف من
السقوط في هوتها السحيقة أمر مستبعد؛ لأن الفردانية لون من ألوان الهروب من
عالم أنت غير مرئي فيه ولا يهتم بك فيه أحد إلى عالم آخر حتى لو كان عالمًا
افتراضيًّا مزيفًا لماذا يلجأ الفرد للانعزال طالما أنه لا يمارس عليه التسلط
والاستبداد أو الظلم تحت اسم القيم العائلية الجمعية.
ويرتبط بالاحترام المتبادل أن تكون هناك مشاعر متبادلة.. مشاعر صافية
رائقة صادقة متبادلة، هنا تحدث الألفة بشكل عفوي وتصبح العائلة هي الملاذ الذي
يمنح كل فرد فيها الهوية والأمان.
وهذا كله لن يتحقق إلا بتفعيل آلية الحوار الفعال بدلاً من سياسة
إلقاء الأوامر والتعليمات.
التوازن الذكي
لا بد من أن يكون هناك توازن ذكي بين الفرد وبين العائلة يمنح الفرد
حقه في الخصوصية ومساحة كافية من الحرية وبين قيم العائلة؛ فمن الأمور الجميلة أن
تجتمع العائلة الممتدة على طعام واحد ولو مرة كل أسبوع.. اجتماع يغلفه الحب على أن
تجتمع مساء كل يوم على مائدة الطعام بصورة جبرية، والإسلام منح إشارات قوية للقيام
بهذا التوازن، فقال مثلاً عن الطعام ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَأْكُلُوا
جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا﴾.
جاء في أحكام القرآن لابن عربي الأندلسي (أنها نزلت في بني
كنانة; كان الرجل منهم يحرم على نفسه أن يأكل وحده، حتى إن الرجل ليقيم على الجوع
حتى يجد من يؤاكله، وكانت هذه السيرة موروثة [عندهم] عن إبراهيم صلى الله عليه
وسلم فإنه كان لا يأكل إلا مع غيره).
تأكل الأسرة الممتدة معًا مرة في الأسبوع، وتأكل الأسرة النووية مرة
كل يوم، ويأكل الشاب أو الفتاة بصورة فردية أحيانًا أو مع جماعة الرفاق أحيانًا،
كل هذه صور ممكنة وسهلة التطبيق ولا تعارض بينها وتقوم بعمل توازن ذكي.
وفي النموذج الذي تم طرحه من الممكن أن يكون التطبيق كالتالي: تطهو
الزوجة في بيتها وتأكل مع زوجها وأولادها ولا تمنع أولادها أو زوجها من مشاركة
الجد والجدة طعامهم وتشارك هي الأخرى الجميع مرة كل فترة فتتحقق لها الخصوصية ولا
تمنع الزوج والأبناء عن الجد أو الجدة، لكن لا يتم إجبارها في الوقت ذاته على
المعيشة المشتركة بحجة الحفاظ على العائلة.. ولا نجد في نهاية المطاف زوجة تدعو
على الحماة وهي تتذكر كيف آذتها وسيطرت على حياتها ولا تسامحها في ذلك، ولا أُمًّا
تدعو أن ينتقم الله من ابنها وزوجته التي قطعته عنها.
روابط ذات صلة:
أدعو على من ظلمني في رمضان.. هل من سبيل آخر للتشفي؟