الإستشارة - المستشار : د. ماهر السوسي
- القسم : السياسة الشرعية
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
614 - رقم الاستشارة : 3735
01/01/2026
فضيلة المفتي: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..
نسمع كثيرًا من الدعاة والوعاظ وخصوصًا في هذه الأيام عن موضوع (نصرة المسلمين)، فما هو المقصود بنصرة المسلمين؟ وما حكمها؟ وعلى من تكون؟ وكيف تكون؟ هذا وبارك الله فيكم، وجزاكم الله عنا خير الجزاء.
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على
النبي الذي لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم أجمعين، وأما بعد:
النصرة هي: العون والغوث وكف الأذى ومنع
الظلم، وهي من الفعل نصر بمعنى أعان، من قولك: نصرته على عدوه؛ أي أعنته عليه.
ومن ذلك قول الله تعالى: ﴿وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ
النَّصْرُ إِلَّا عَلَىٰ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ﴾، يقول الإمام القرطبي: "قوله تعالى (وإن
استنصروكم في الدين) يريد إن دعوا هؤلاء المؤمنون الذين لم يهاجروا من أرض الحرب
عونكم بنفير أو مال لاستنقاذهم فأعينوهم، فذلك فرض عليكم فلا تخذلوهم. إلا أن
يستنصروكم على قوم كفار بينكم وبينهم ميثاق فلا تنصروهم عليهم، ولا تنقضوا العهد
حتى تتم مدته.
ويقول ابن العربي: إلا أن يكونوا أسرى
مستضعفين فإن الولاية معهم قائمة والنصرة لهم واجبة، حتى لا تبقى منا عين تطرف حتى
نخرج إلى استنقاذهم إن كان عددنا يحتمل ذلك، أو نبذل جميع أموالنا في استخراجهم
حتى لا يبقى لأحد درهم. كذلك قال مالك وجميع العلماء، فإنا لله وإنا إليه راجعون،
على ما حل بالخلق في تركهم إخوانهم في أسر العدو وبأيديهم خزائن الأموال، وفضول
الأحوال والقدرة والعدد والقوة".
ومما سبق فإن نصرة المسلمين تعني إعانتهم
على عدوهم، ورفع الظلم عنهم، وإغاثتهم من الملمات والنوازل التي تنزل لهم.
أدلة وجوب نصرة المسلمين
ونصرة المسلمين فرض على المسلمين، لقوله
تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ
وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾، فالولاية
المذكورة هنا بمعنى النصرة كما ورد عن المفسرين، وهي كذلك المسؤولية، والمسؤولية
تعني قيام كل مسلم على المحافظة على مصالح غيره من المسلمين.
ومن أدلة وجوب نصرة المسلمين أيضًا قول
رسول الله ﷺ:
"المسلم للمسلم كالبنيان يشد بعضه بعضًا"؛ فالحديث يبين أن المسلم يتقوى
بأخيه المسلم، حيث شبه النبي ﷺ أمة الإسلام،
لأنها أمة قوية متماسكة، يقوي فيها كل مسلم أخاه المسلم، بالبنيان الذي رصت حجارته
بحيث يلتصق كل حجر منها بغيره من الحجارة ويمنعه من السقوط.
ومن الأدلة أيضًا التي تبين وجوب النصرة
قول النبي ﷺ:
"مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى
له سائر الأعضاء بالسهر والحمى"، فقد بيّن النبي ﷺ في
هذا الحديث أن المسلمين أمة واحدة، متماسكة مترابطة بحيث يتأثر بعضها بمصاب البعض
الآخر، تمامًا كما هو حال الجسد الواحد، إذا مرض منه عضو اعتلت بسببه باقي الأعضاء
الأخرى.
من خلال الأدلة السابقة وغيرها يتبين
لنا أن نصرة المسلمين واجبة أينما كانوا، بغض النظر عن كل ما يمكن أن
يميز بينهم؛ ذلك أن المسلمين أمة واحدة، لقوله تعالى: ﴿وَكَذَٰلِكَ
جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾؛ فالآية صريحة الدلالة على أن جميع
المسلمين هم أمة واحدة.
ومن الأدلة أيضًا قوله تعالى: ﴿كُنتُمْ
خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾، وبناء
على ذلك فالمسلمون جسد واحد، وروح واحدة، وبلادهم على تعددها بلد واحد، على الرغم
من الحدود التي تفصل بينهم، فهي كما لا يخفى على أحد حدود مصطنعة
وضعها الاستعمار، ليفرق بين جسد الأمة الواحد، ذلك، لأنه على يقين بأنه لن يقدر
عليها مجتمعة.
هذا؛ ونخلص من كل ما سبق أن نصرة
المسلمين واجبة لجميع المسلمين، وعلى جميع المسلمين بلا استثناء، وجوبها لا يتعلق بمجموع الأمة فحسب؛ بل هو يتعداها إلى الأفراد كل فرد
بعينه، عليه نصرة إخوانه المسلمين بقدر طاقته، وحسب إمكانياته، يحمل عنهم من أعبائهم،
ويحملون عنه ما يستطيعون.
وللنصرة صور متعددة يستطيعها المجموع
كما يستطيعها الأفراد.
نصرة الدول للمستضعفين من
المسلمين
ومن صور نصرة الدول للمستضعفين من
المسلمين:
1. تحريك
للجيوش لدفع العدوان عن المعتدى عليهم من المسلمين الذين قصرت فوتهم في دفع الأذى
عنهم، وذلك كما فعل الخليفة المعتصم بالله حينما استنجدت به امرأة مسلمة أسرها
الرومان، حيث سير جيشًا كاملاً لإنقاذها.
2.
مد المعتدى عليهم بالعدة والعتاد اللازم لهم حتى يتمكنوا من دفع العدوان عن أنفسهم
وبلادهم.
3. استغلال
علاقات الدول الإسلامية مع غيرها من الدول الأخرى، لصناعة رأي عالمي مساند لقضايا
المستضعفين من المسلمين وتأييدها.
4. الاستفادة
من عضوية الدول الإسلامية في المحافل الدولية من أجل نصرة قضايا المسلمين والعمل
على دعمها.
5. عدم
التحالف مع الدول المعتدية على بلاد المسلمين والتعاون معها.
6. توجيه
وسائل الإعلام المملوكة للدولة والخاصة بكل أشكالها إلى نصرة قضايا المسلمين ودحض
كل الشبهات والإشاعات التي تروج ضد المسلمين.
7. حث
العلماء والمثقفين وخطباء المساجد والدعاة والوعاظ إلى تبصير الجمهور بكيفية أداء
ما عليهم من نصرة إخوانهم المستضعفين من المسلمين.
8. إمداد المعتدى عليهم بالخبرات والمعلومات
التي تمكنهم من دفع الاعتداء عليهم.
نصرة الأفراد للمستضعفين من
المسلمين
وأما عن دور الأفراد في نصرة المسلمين
فله صور متعددة بحسب استطاعة كل فرد وإمكانياته، ونذكر منها:
1. الدعاء
للمعتدى عليهم بتجرد وإخلاص، مع تحري أوقات الاستجابة، وهذا أضعف الإيمان، مع كون
الدعاء من أقوى الأسلحة التي يملكها المسلم، بغض النظر عن مكانته الاجتماعية، أو
ثقافته ذلك أن استجابة الدعاء أمر محتوم، لقول الله تعالى: ﴿وَقَالَ
رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾، ولقول النبي ﷺ: "رُب
أشعث أغبر لو أقسم على الله لأبره".
2. التبرؤ
إلى الله تعالى من كل أسباب الوهن والخذلان، وعقد العزم على بذل الوسع والجهد في
نصرة المسلمين.
3. بذل
ما يمكن بذله من المال وتقديم ما يمكن تقديمه من المتاع ومن غيره مما يملك الفرد
لإخوانه المسلمين المعتدى عليهم.
4. التطوع
بالنفس والانضمام إلى من يحتاج النصرة ومعاونتهم بالجهد والقوة إن أمكن ذلك.
5. نصرة
قضايا المسلمين عبر وسائل التواصل الاجتماعي بكل أشكالها ولغاتها لتكوين رأي عام
داعم لقضايا المسلمين.
6. دعم
قضايا المسلمين المعتدى عليهم عن طريق المحاضرات والندوات والمقالات الصحفية وغير
ذلك مما يستطيعه الأفراد.
7. تكوين
رأي عام محلي ضاغط على الحكومات من أجل القيام بدورها في نصرة المستضعفين من
المسلمين.
8. مقاطعة
الدول التي تؤازر من
يعتدي على المسلمين اقتصاديا من أجل الضغط عليها لكف عدوانها، والترويج لهذه
المقاطعة وبيان أهميتها وما يمكن أن تسببه لأعداء المسلمين من أضرار.
9. الحذر
من التخابر مع أعداء المسلمين وتقديم المعلومات التي تنكشف بها عورات المسلمين
الأمنية والاقتصادية، وبيان حرمة ذلك بالشرع، وخطورته على أمن المسلمين امانها.
10.
الحرص على عدم ترويج الإشاعات التي تثبط عزائم المسلمين وهممهم مما يؤدي إلى ضعف
قوتهم وتفريق صفهم.
11.
عدم الاستجابة لما يروجه أعداء المسلمين وأعوانهم من أباطيل وحجج يقصد بها إضعاف
ثقة المسلمين لأنفسهم، وبيان عدم مصداقية أعداء المسلمين وكذبهم وقدر عداوتهم
للمسلمين، والاستدلال على ذلك من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ،
والواقع المشاهد.
هذه
هي صور نصرة المسلمين في فلسطين السودان واليمن
وغيرها من بلاد المسلمين التي تتعرض لعدوان مستمر وحرب إبادة من أعداء المسلمين،
وقد تكون هناك صور أخرى ينتجها واقع العدوان
وخطورته وطبيعة الظروف التي يعيشها المسلمون والإمكانيات المتوفرة لديهم، والله
تعالى أعلم.
روابط
ذات صلة:
الواجب العيني والواجب الكفائي في نصرة أهل غزة
تعجيل إخراج الزكاة من أجل نصرة المستضعفين في غزة