الإستشارة - المستشار : أ. فتحي عبد الستار
- القسم : الفتور والضعف
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
15 - رقم الاستشارة : 6012
03/10/2026
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أنا شاب أحاول الالتزام بطاعة الله والتوبة من بعض السلوكيات والمعاصي التي أصبحت متكررة عندي، وبعضها أشعر أنه وصل لدرجة الإدمان أو السلوك القهري، وهذا يؤثر على حياتي وعلى طريقي في العبادة.
أريد أن أتعالج من هذه السلوكيات، ووجدت أن العلاج النفسي وعلم النفس قد يساعدان في فهم أسباب الإدمان والسلوكيات القهرية وعلاجها.
سؤالي: هل يجوز لي أن أذهب إلى طبيب أو معالج نفسي متخصص في الإدمان والسلوكيات القهرية، وأستعين بالعلاج النفسي إلى جانب التوبة والعبادة والاستعانة بالله؟
وهل في ذلك أي تعارض شرعي مع التوكل على الله أو الاعتماد عليه؟
وهل تنصحون بأن أجمع بين العلاج النفسي والاستعانة بعالم أو شيخ موثوق في الأمور الدينية، بحيث آخذ بالأسباب الطبية والشرعية معًا؟
وجزاكم الله خيرًا.
وعليكم
السلام ورحمة الله وبركاته، ومرحبًا بك يا بني، وأشكرك على ثقتك بنا وتواصلك معنا،
وعلى الوعي الشديد الذي يظهر في سؤالك، وأسأل الله أن يثبِّتك على الحق، وأن يشرح
صدرك، وييسر أمرك، ويغفر ذنبك، ويطهر قلبك، وأن يمنَّ عليك بتوبة نصوح يمحو بها ما
سلف، ويرزقك قوة العزيمة وطمأنينة النفس وراحة البال، وبعد...
فإن
الإنسان في هذه الحياة خُلق في كبد ومجاهدة، والنفس البشرية تركيب معقد تلتقي فيه
الروح والعاطفة والعقل والجسد. وحين يستشعر المرء وقوعه في سلوكيات تكررت حتى خرجت
عن حدِّ الاختيار العادي وصارت إدمانًا أو سلوكًا قهريًّا، فإن أولى خطوات العلاج
هي: الاعتراف بالمشكلة، والبحث الجاد عن أسبابها ووسائل التعافي منها.
هل
تجوز الاستعانة بالطب النفسي؟
بالطبع
نعم، يجوز لك ذلك؛ بل يُستحب ويُشرع لك الذهاب إلى طبيب أو معالج نفسي متخصص. فقد
حثت الشريعة الإسلامية على الأخذ بأسباب الشفاء والتداوي من مختلف الأمراض؛ بدنية
كانت أم نفسية أم سلوكية. قال رسول الله ﷺ: «تَدَاوَوْا فَإِنَّ اللَّهَ عز وجل
لَمْ يَضَعْ دَاءً إِلَّا وَضَعَ لَهُ دَوَاءً، غَيْرَ دَاءٍ وَاحِدٍ الْهَرَمُ»
[رواه أبو داود والترمذي]. والإدمان والسلوك القهري هما في أصلهما اضطراب يصيب
الجهاز العصبي، وهو داء له أسباب نفسية وجسدية، والتداوي منه داخل في عموم هذا
الحديث الشريف.
كما
أن الله سبحانه وتعالى أمرنا بالرجوع إلى أهل الاختصاص، فقال عز وجل: ﴿فَاسْأَلُوا
أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [سورة النحل: 43]. وأهل الذِّكر في
مجال الإدمان والسلوكيات القهرية هم الأطباء والمعالجون النفسيون المعتمدون.
الطب
النفسي فرع من فروع الطب الجسدي
كثير
من الناس يظنون خطأ أن العلاج النفسي يقتصر على مجرد الحديث والفضفضة، أو أنه يمس
إيمان المرء، بينما الحق أن الدماغ عضو كبقية أعضاء الجسد، يصيبه الخلل والاعتلال.
والتعديل السلوكي والعلاج المعرفي والبرامج المتخصصة في الإدمان هي أدوات طبية
أثبتت نجاحها ميدانيًّا، والأخذ بها أخذ بأسباب الشفاء التي يسَّرها الله عز وجل.
هل
العلاج النفسي يتعارض مع التوكل على الله؟
لا
يوجد أي تعارض على الإطلاق، بل إن الأخذ بالعلاج النفسي هو من تمام التوكل وعين
الاعتماد على الله.
فالتوكل
الصادق له ركنان:
-
عمل القلب: وهو الاعتقاد الجازم بأن النفع والضر والشفاء بيد الله وحده، وأن
الأسباب لا تؤثر إلا بإذنه.
- عمل
الجوارح: وهو السعي والأخذ بالأسباب المتاحة والمشروعة.
وقد
جاء رجل إلى النبي ﷺ يسأله عن ناقته، فقال: أُرسلها وأتوكل؟ فقال له النبي ﷺ:
«اعْقِلْهَا وَتَوَكَّلْ» [رواه الترمذي]. فبيَّن له أن ترك العِقال (السبب
المادي) ليس توكلًا؛ بل هو تفريط وعجز.
كما
قال ﷺ: «الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ
الضَّعِيفِ، وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ، احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ
بِاللَّهِ وَلَا تَعْجَزْ» [رواه مسلم]. وقد جمع الحديث بين الأمر بالحرص على ما
ينفع (وهو الأخذ بالأسباب كالطب والعلاج) وبين الاستعانة بالله والنهي عن العجز
والاستسلام.
فمن
يذهب للمعالج النفسي وهو يعتقد أن الشفاء من الله، وأن المعالج مجرد سبب أجرى الله
الشفاء على يديه، فهذا قد حقق التوحيد والتوكل في أبهى صوره. أما ترك العلاج بدعوى
التوكل فقط فهو من العجز المذموم شرعًا.
الجمع
بين الطب النفسي والعلاج الشرعي
بكل
اطمئنان، أنصحك يا ولدي بالجمع بينهما، وهذا هو الخيار الأمثل؛ فالطب النفسي يعمل
على تفكيك دورة الإدمان وتشخيص المحفزات النفسية والبيئية، وتدريبك على تقنيات
مهارية وسبل عملية للتعامل مع الرغبة المُلحَّة، فضلًا عن معالجة الأسباب النفسية
الدفينة، كالقلق أو الصدمات المتراكمة، ما يمنحك الأدوات العملية والذهنية للسيطرة
على السلوك القهري وإعادة التوازن لدماغك.
وفي
المقابل، يأتي الجانب الشرعي الإيماني ليعزز صلتك بالله عز وجل،
ويفتح أمامك أبواب الرجاء والأمل، ويعالج مشاعر الذنب القاتلة التي قد تعيق
مسيرتك، موجهًا إياك في مسائل العبادة ودفع الوساوس، مما يغذي روحك بالطمأنينة
والسكينة، ويمنحك القوة الروحية للثبات والاستمرار في رحلة التعافي.
اقتراحات
عملية للتعافي من السلوكيات القهرية
1-
اختيار المعالج المناسب: ابحث عن طبيب أو معالج نفسي معتمد ومتخصص
في معالجة الإدمان والسلوكيات القهرية، ويُفضَّل أن يكون ممن يحترمون القيم
الدينية والأخلاقية؛ حتى يكون العلاج متسقًا مع عقيدتك ولا يحصل تصادم في المبادئ.
2-
فهم دورة السلوك القهري: تعلم مع معالجك كيف تتدرج رغبتك في
ارتكاب السلوك الضار من المحفز إلى الفكرة إلى السلوك إلى المكافأة المؤقتة إلى
مشاعر الذنب. فإن فهم هذه الدورة يقلل من خوفك منها ويجعلك قادرًا على تفكيكها.
3-
المحافظة على الفرائض والأوراد: حافظ على الصلوات الخمس في
أوقاتها، خذ من نوافلها ما تستطيع، وعلى أذكار الصباح والمساء والأحوال، مع ورد
ثابت من القرآن الكريم. قال تعالى: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ
الْقُلُوبُ﴾ [سورة الرعد: 28]. فالذِّكر يُسكِّن اضطراب النفس، ويمدك بالطاقة
الروحية.
4-
التعامل الراشد مع الانتكاسات: التعافي رحلة وخطوات وليس قفزة
واحدة؛ فإذا حدثت لك زلة أو تعثر في الطريق، فلا تسقط في فخ اليأس أو جلد الذات
القاسي؛ بل بادر فورًا بالتوبة، وجدد عهدك مع الله، وناقش سبب الزلة مع معالجك
وشيخك. قال النبي ﷺ: «كُلُّ ابْنِ آدَمَ خَطَّاءٌ وَخَيْرُ الْخَطَّائِينَ
التَّوَّابُونَ» [رواه الترمذي].
5-
سد الفراغ وبناء البدائل الصحية: الإدمان غالبًا ما يكون سببه
فراغًا عاطفيًّا أو زمنيًّا. فاحرص على ملء وقتك بالرياضة، والتواصل الاجتماعي
المثمر، وهوايات نافعة، وصحبة صالحة تعينك على الخير.
وختامًا
يا ولدي، إن مجرد كتابتك هذه الاستشارة وحرصك على التحري الشرعي والعلمي هو أول
سهم تطلقه على هذا السلوك القهري لتتخلص منه نهائيًّا بإذن الله. واعلم أن الله عز
وجل يرى مجاهدتك وصبرك، وأنه سبحانه وتعالى لا يضيع أجر من أحسن عملًا. فأبشر
بخير، واستعن بالله، وسر في طريق العلاج بقلب مطمئن وعزيمة صادقة.
أسأل
الله أن يأخذ بيدك إلى ما يحب ويرضى، وأن يشفي قلبك وبدنك وعقلك ونفسك، وأن يصرف
عنك السوء والفحشاء، ويجعلك من التوابين المتطهرين، وصلِّ اللهم وسلِّم وبارك على
نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
روابط
ذات صلة: