الإستشارة - المستشار : أ. مصطفى عاشور
- القسم : فكر معاصر
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
12 - رقم الاستشارة : 5064
11/06/2026
هل يؤثر التمويل على نتائج الدراسات العلمية، حيث يتردد أن بعض الشركات الكبرى تمول أبحاثًا معينة حتى تخرج نتائج البحث بما يوافق خطط الشركة التسويقية بغض النظر عن الحقيقة العلمية الكاملة؟
أخي
الكريم، هناك
قاعدة تقول "لا تمويل بغير أجندة"، فلا يوجد تمويل إلا وله متطلبات ومطالب سيحصل
عليها، فالتمويل في أغلب الأحيان ليس عملاً خيريًّا، والعلاقة بين التمويل والمجال
العلمي والبحثي ليس ببعيد عن هذا المحدد وتلك القاعدة، فبعض الشركات الكبرى تمول
أبحاثًا بعينها للحصول على نتائج محددة تساهم في ترويج منتجاتها، وتبدو هذه الحالة
أكثر وضوحًا في التمويل والرعايات التي تمنحها شركات الأدوية في المجال البحثي.
التمويل والبحث العلمي
أخي الكريم، كثيرًا ما نسمع عبارات تتكرر في الإعلام وعلى مواقع التواصل الاجتماعي،
مثل: أثبتت دراسات أن تناول طعام معين يؤجل أعراض الشيخوخة أو يزيد من النضارة أو
يحسن المزاج أو يساهم في نمو العضلات... إلخ، وتحت ادعاء العلمية يتم الترويج
لمنتجات بعينها، على اعتبار أن العلم أثبت صحة هذا الأمر.
لــــــكن في
الغالب تكون الحقيقة هي إعطاء معلومة غير مكتملة أو الاستناد لمعلومة صحيحة وإعطاء
تفسير يتلاءم مع مصالح بعينها، ومع كثرة تداول المعلومة المستندة لبحث علمي، تتحول
في أذهان الناس إلى حقيقة لا يمكن التشكيك فيها أو تكذيبها.
في دراسة تحليلية بعنوان "العلاقة بين مصدر التمويل والاستنتاج
في المقالات العلمية المتعلقة بالتغذية" نشرت عام 2007، شملت تحليل أكثر من (200) مقالة علمية نشرت ما بين
عام 1999م وعام 2003م، تم تحليل تلك المقالات التي تتحدث عن مأكولات ومشروبات
معينة، وخلصت الدراسة إلى أن "المقالات العلمية
حول المشروبات الشائعة الاستهلاك، والممولة بالكامل من قِبل الصناعة، كانت أكثر
عرضةً بنحو أربعة إلى ثمانية أضعاف لأن تكون مواتية للمصالح المالية للجهات
الراعية مقارنةً بالمقالات غير الممولة من قِبل الصناعة".
وذكرت الدراسة أن الباحثين ينتقون انتقاءً متحيزًا ما
يؤيد الاستنتاجات التي تؤيدها وترغب فيها الجهات الممولة، والأخطر أن
الباحثين قد يصممون الدراسة بطريقة تؤدي إلى نتائج مضللة.
ويتحدد مقدار الأموال التي تخصصها شركات الأدوية -مثلاً-
للبحث والتطوير بمقدار الإيرادات التي تتوقع تحقيقها من دواء جديد، والتكلفة
المتوقعة لتطوير هذا الدواء، والسياسات التي تؤثر على العرض والطلب على الأدوية،
وبالتالي يحدد السوق الإنفاق العلمي في هذا المجال، وما ستجنيه الشركات من
الأرباح.
في دراسة سابقة بعنوان "رعاية
شركات الأغذية لأبحاث التغذية والأنشطة المهنية: هل يُعد ذلك تضاربًا في المصالح؟"،
وبعد فحص عينة عشوائية من (11) دراسة من شركات الأغذية والمشروبات والمكملات
الغذائية، خلصت الدراسة إلى أنه "من الصعب العثور على دراسات لم تتوصل إلى
استنتاجات تدعم المصالح التجارية للجهة الراعية"، وهو ما يعني أن الأبحاث
العلمية خدمت الشركات التي موّلت تلك الدراسات، وبالتالي كان للتمويل تأثير منهجي
على نتائج الدراسة، إذ تحيزت النتائج لصالح الشركات الراعية للدراسة.
التمويل وشفافية البحث العلمي
أخي الكريم، لا شك أن التمويل يؤثر على شفافية البحث العلمي، ونقصد بتلك الشفافية
"الانفتاح التام والوضوح في جميع مراحل العملية البحثية؛ بدءًا من تصميم
الدراسة، مرورًا بجمع البيانات وتحليلها، ولهذا دعا "المجلس الدولي
للعلوم" (ISC) وهو منظمة دولية غير حكومية تهدف لتعزيز العلمية
والعلوم باعتبارها منفعة عامة للإنسانية، دعا إلى الاعتراف بالكشف الشفاف
الكامل عن جميع مصادر تمويل البحوث كمسؤولية مشتركة واعتمادها كمعيار أساسي من قبل
جميع مستويات النظام العلمي العالمي.
والحقيقة أنه يوجد قلق متصاعد من تراجع الشفافية في بعض
الدراسات، ويوجد خشية من أن تُستغل روابط التمويل الخفية لتشويه
النتائج العلمية، وتضليل الرأي العام، وإخفاء الأدلة، حيث يؤدي هذا الاستغلال إلى
انتشار المعلومات المضللة، وتقويض الثقة في العلم، وقد يُلحق الضرر بالبشرية
والبيئة؛ فالتمويل قد يقمع العلمية ويحجب معلومات لصالح معلومات
أخرى؛ بل قد يمارس البحث العلمي تضليلاً ليتوافق مع مصالح الجهة التي موّلت البحث.
أخي الكريم، والتضليل باسم العلم هو مشكلة عالمية حتى إن الأمين العام للأمم المتحدة
دعا عام 2022م إلى مكافحة التضليل المعلوماتي والعلمي لخطورته على البشرية، ورغم
أن شفافية التمويل ليست حلًا كاملًا، فإنها خطوة للتخفيف من حدة حملات التضليل
والمعلومات المضللة المعادية للعلم، ولا تعني الشفافية أي تخفيض في التمويل، ولكن
كشف الجهات الممولة؛ لأن ذلك يعزز الثقة في العلم.
موضوعات ذات صلة:
كيف أكتشف التوظيف الانتقائي للعلم؟
هل تفقدنا الرتابة القدرة على الإبداع؟
هل ثقافة الاستسهال تعيق النهوض الحضاري؟
كيف أنقذ عقلي من متلازمة بوليانا؟