الإستشارة - المستشار : د. رجب أبو مليح محمد
- القسم : قضايا معاصرة
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
22 - رقم الاستشارة : 4819
16/05/2026
وجدت شابا في الشارع الذى أسكن فيه يدخن السجائر الإلكترونية فخفت عليه لأنى كنت قد قرأت عن حالات لإحدى المشاهير ماتت بسببه وقرأت أبضا عن شباب أو مراهقين احتجزوا في المستشفى بسببها وكنت اعتقد أنها أكثر ضررا من السجائر العادية فنصحته بالتوقف عنها وقلت له" أن التدخين كله مضر بس بلاش السجائر الإلكترونية".
وعندما ذهبت إلى المنزل خطر في بالى ليلا أن أتصفح الانترنت لأعرف أكثر عن أضرار التدخين الإلكتروني والتدخين العادي فو جدت أن بعض الصفحات التابعة لمستشفيات في الخارج تقول أن التدخين الإلكتروني غير آمن لكنه أقل ضررا من التدخين العادي، فتضايقت وأصبت بالخوف من أن يستمع ذلك الشاب لنصيحتي ويدخن السجائر العادية، فهل إذا أصابه أي ضرر او أصيب بمرض خبيث لا قدر الله، أكون أنا مسئولة أمام الله عز وجل عن ما حل به.
مع العلم أنى لا أعطى نصائح طبية لأحد لكن كنت أعتقد أن السجائر الإلكترونية أكثر ضررا من العادية اكن خوفي أن تتسبب تلك السجائر الإلكترونية في إلحاق أذى به (خصوصا بعد وفاة تلك الممثلة أو المخرجة) هو الذى دفعني إلى نصيحته؟
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده،
وبعد:
فأهلاً
وسهلاً بكِ أختنا الفاضلة، أتفهم تمامًا مدى القلق والمسؤولية التي تشعرين بها،
وهذا دليل على نبل أخلاقكِ وحرصكِ على سلامة الآخرين. لكن أطمئنكِ فورًا وبشكل قاطع: ليس عليكِ أي
إثم، ولستِ مسؤولة أمام الله عز وجل عن أي ضرر قد يلحق بهذا الشاب،
فنيتكِ كانت الإصلاح والتحذير من أذى مؤكد، وفضلاً أكملي قراءة تفاصيل الفتوى حتى
النهاية.
اختصارًا: لا
يلحقكِ أي إثم أو مسؤولية شرعية أو جنائية بخصوص ما قد يفعله هذا الشاب أو ما قد
يصيبه من ضرر؛ لأنكِ قمتِ بنصحه دافعةً عنه ضررًا تظنينه الأكبر بناءً على
معلوماتكِ وقتها، كما أنكِ قرنتِ نصيحتكِ بعبارة واضحة وهي: أن التدخين كله
مضر، والإنسان في الشريعة الإسلامية يُحاسب على قصده ونيته، والخطأ غير
المتعمد معفو عنه، وهذا الشاب شخص عاقل ومكلف ومسؤول عن خياراته الشخصية، وهو يعلم
يقينا أن التدخين ضار، وبما أن التدخين العادي والإلكتروني كليهما ضار ومحرم، فلا
تلامين على التحذير منهما أو من أحدهما، وما يحتاج منك فقط إلى الانتباه هو مراعاة
الضوابط الشرعية لنصح الفتاة خاصة إذا كانت عزباء لشاب، وهو ما قد يفتح ولو عن غير
قصد باب فتنة.
القواعد
الفقهية الحاكمة:
تستند
هذه الفتوى إلى مجموعة من القواعد الفقهية الكلية المستمدة من الكتاب والسنة، منها:
•
قاعدة (الأمور بمقاصدها): وتستند إلى قول النبي ﷺ: "إنما الأعمال بالنيات". ومقصدكِ كان دفع الضرر المحقق عن الشاب
وإنقاذه، ولم يكن قصدكِ توجيهه للتدخين العادي.
•
قاعدة (الخطأ والنسيان معفو عنهما): لقوله تعالى: {وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أخطأتمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ
قُلُوبُكُمْ} (الأحزاب: 5)، وقول النبي ﷺ: "إن الله تجاوز عن
أمتي الخطأ والنسيان وما استُكرهوا عليه".
• قاعدة (الجناية لا تترتب على فعل مأذون فيه): النصيحة
والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فعل مأذون فيه شرعًا، بل ومندوب إليه، فإذا ترتب
عليه أثر غير مقصود بسبب سوء تصرف المنصوح، فلا ضمان على الناصح.
•
قاعدة (المباشر أولى بالضمان من المتسبب): الشاب هو الذي
يباشر التدخين باختياره وإرادته، فهو المسؤول الأول والأخير عن صحته وعن المعصية
التي يرتكبها، ولا تزر وازرة وزر أخرى.
· الرأي الشرعي فيمن نصح بأمر يظن صلاحه ثم استبان
له غيره:
· مَن بذل وسعه ونصع لغيره بأمرٍ كان يعتقد جازمًا
أنه الصواب والحق وقصد به وجه الله ومصلحة المنصوح، ثم تبين له طبيًّا أو واقعيًّا
أن الأمر بخلاف ذلك، فهو مأجور على نيته الصالحة، ومعذور في خطئه.
· ولا يجب عليكِ شرعًا البحث عن هذا الشاب لتصحيح
المعلومة؛ لأنكِ لستِ مرجعية طبية وهو يعلم ذلك، ولأن الذهاب إليه مجددًا قد يفتح
بابًا من أبواب الفتنة أو سوء الفهم كما سأفصل لك لاحقًا. يكفيكِ أنكِ استغفرتِ
الله وندمتِ على ما ظننتِ أنه خطأ، وهذا دليل تقواكِ.
ضوابط
نصح الفتاة للشاب (خاصة إذا خُشي سوء الفهم):
هذا
ما يحتاج منك إلى الانتباه، الأصل أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب على
الرجال والنساء على حد سواء، ولكن وضع الفقهاء ضوابط دقيقة لنصح المرأة للرجل
الأجنبي خاصة إن كانت فتاة عزباء ويُخشى أن يُساء فهمها أو يُتخذ النصح ذريعة
للمعاكسة، وهو من للأسف من فساد هذا الزمان، من أهمها:
1. أمن الفتنة: وهو الشرط الأساسي. إذا ظنت الفتاة أو غلب على ظنها أن نصحها
للشاب سيفهم خطأ كتَحرّش أو رغبة في التعرف أو سيفتح بابًا للمعاكسة
والملاحقة، فيسقط عنها وجوب النصح تمامًا بالقول، وتكتفي بالإنكار
بقلبها، أو تفويض الأمر لرجل كأخيها أو أبيها ليقوم بنصحه.
2. الالتزام بالأدب الشرعي وعدم الخضوع بالقول: إذا استدعى الموقف النصح كوجود
خطر داهم، يجب أن يكون الكلام بجدية وحزم، وبعبارات مختصرة ومباشرة، خالية من أي
لِين أو تلطف قد يطمع الذي في قلبه مرض.
3. عدم الخلوة: أن يكون النصح في مكان عام وعلى مرأى من الناس كما حدث معكِ في
الشارع العام لتجنب أي ريبة.
4. الاختصار وعدم إطالة الحديث: إلقاء النصيحة والمضي فورًا دون فتح مجال
للنقاش أو الجدال الذي قد يجر إلى أحاديث جانبية.
حكم
التدخين عمومًا والإلكتروني منه خصوصًا:
•
التدخين العادي: اتفق المجامع الفقهية ودور الإفتاء المعاصرة على تحريمه
قاطعًا؛ لثبوت أضراره المهلكة على البدن والمال، لقوله تعالى: {وَلَا
تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} (البقرة: 195)، وقوله: {وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ} (النساء:
29).
•
التدخين الإلكتروني/ السجائر الإلكترونية: أخذت نفس
حكم التحريم عند العلماء والجهات الإفتائية الرسمية. والتعلق بمقولة أنها
"أقل ضررًا" لا يرفع عنها حكم التحريم؛ فالشريعة تحرّم الخبائث والسموم،
سواء كانت شديدة الضرر أو متوسطة الضرر. السجائر الإلكترونية تحتوي على مواد سامة
ونيكوتين عالي التركيز وتسبب أمراضًا رئوية حادة ومفاجئة كما قرأتِ في الأخبار،
وبالتالي فمآلها التحريم والمنع لحفظ النفس والعقل والمال.
وختامًا: طيبي
نفسًا، واطردي هذه الوساوس عنكِ، فما قمتِ به هو تصرف نبيل نابع من غريزة إنسانية
وإيمانية طيبة لحماية شاب من الهلاك، والخطأ العلمي غير المقصود في تفضيل ضرر على
ضرر مغفور ومعفو عنه إن شاء الله. والله تعالى أعلى وأعلم.
روابط
ذات صلة: